
نجم الدين دريسة
سد النهضة الإثيوبي لم يعد مشروعاً محلياً، بل تحوّل إلى قضية إقليمية ذات أبعاد استراتيجية، تتقاطع فيها مصالح السودان ومصر وإثيوبيا، إضافة إلى بقية دول حوض النيل. ورغم ما أثير حول مخاطره، فإن فوائده المحتملة للسودان تبدو كبيرة، وربما تضاهي المكاسب التي تجنيها إثيوبيا نفسها.
فموقع السد الذي لا يبعد سوى تسعة أميال عن الحدود السودانية، يمنح الخرطوم ميزة الحصول على الكهرباء بأسعار تفضيلية تقل عن الأسعار العالمية، مع كلفة منخفضة لمد الخطوط الناقلة. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السودان من أزمة كهرباء خانقة جراء الحرب الأخيرة التي استهدفت بنيته التحتية عبر سلاح الجو المصري وإلى جانب ذلك، فإن انتظام تدفقات النيل الأزرق على مدار العام سيقلل من مخاطر الفيضانات الموسمية، ويفتح المجال أمام توسيع الرقعة الزراعية المروية، بما يحفز التنمية والنهضة الاقتصادية.
لكن المعضلة تكمن في الحسابات السياسية والأمنية. فمصر، المنهمكة بتوترات حدودها الشرقية والذاكرة الثقيلة لتجربة اليمن وهزيمة 1967، لا تبدو قادرة على خوض حرب ضد إثيوبيا بعيداً عن حدودها. وفي حال انخراط السودان في مثل هذا الصراع، فإن أراضيه ستكون ساحة المعركة، وسدوده الحيوية مثل الروصيرص وسنار وخشم القربة أهدافاً مباشرة لأي رد إثيوبي، فضلاً عن تعرض المجتمعات والشعوب السودانية لمخاطر لا ناقة لهم فيها ولاجمل.
التاريخ يكشف أن السودان ظل، منذ الاستقلال، أقرب إلى التبعية للموقف المصري، رغم الاضرار الباهظة والكلفة العالية وحالة استنزاف الموارد والتدخل السافر في الشأن السياسي الداخلي مما قاد لحالة دائمة من عدم الاستقرار السياسي . فقد غمرت مياه السد العالي منطقة وادي حلفا السودانية، وامتدت بحيرته داخل الحدود دون مقابل، بينما استولت مصر بالقوة على مثلث حلايب وشلاتين وأبي رماد، وسط صمت رسمي سوداني. ويتجدد هذا النهج اليوم في غياب السودان عن حفل افتتاح سد النهضة، استجابة لرغبة القاهرة، رغم أن الخرطوم المستفيد الأكبر من السد.
أما مزاعم مصر بما تسميه “الحقوق التاريخية” في مياه النيل، فهي نتاج اتفاقيات موغلة في الاجحاف فرضتها قوى استعمارية لم تشارك فيها بقية دول الحوض. لذلك جاءت اتفاقية عنتبي لتؤكد مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول”، وقد اكتمل نصابها القانوني بانضمام جنوب السودان، رغم اعتراض مصر ومحاولاتها التشويش على دول الحوض.
في المقابل، اتجهت دول أخرى، مثل الإمارات، إلى الاستثمار في إثيوبيا وحوض النيل، إدراكاً لأهمية المصالح الاقتصادية بعيداً عن العواطف والشعارات. وهو درس ينبغي على السودان استيعابه، إذا أراد الخروج من دائرة التبعية إلى دائرة القرار المستقل.
خلاصة القول إن سد النهضة ليس تهديداً وجودياً للسودان، بل فرصة تاريخية لتعزيز أمنه المائي والكهربائي والزراعي. لكن هذه الفرصة ستظل مهدرة ما لم يضع السودان مصالحه الوطنية فوق اعتبارات التبعية السياسية وهيمنة الموقف المصري.



