رأي

كيزانيات-٩: حياة عبد الملك: من أدوار الحركة الإسلامية إلىتراجيديا المواقف

 

 

د.احمد التيجاني سيد احمد

القيادية السابقة في المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية، حياة عبد الملك، تعود اليوم بمواقف مثيرة للجدل، تدعو فيها إلى طرد الحركات المسلحة والتحالف مع من سمّتهم سابقًا بـ”القحاتة” – في تبدُّل دراماتيكي يعكس ما يمكن تسميته بـ”الانقلاب على الانقلاب”.

لكن هذا التحوّل لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن سياق أطول وأعمق. فالسيدة حياة، منذ ظهورها الأول على المسرح العام، كانت تمثّل أحد الأدوار النموذجية ضمن الاستراتيجية متعددة الأوجه التي اتبعتها الحركة الإسلامية في السودان – أدوار تتبدل كما الأرواح في جسد واحد، تتقدم وتنسحب حسب مقتضى المرحلة والمصلحة.

وكانت قد كُلِّفت في إحدى محطات هذا الدور من قبل الفريق بكري حسن صالح، أحد العرّابين الرئيسيين لانقلاب الثلاثين من يونيو 1989، في محاولة لإعادة صياغة الخطاب حول النوبيين، عبر زرع تقسيمات أيديولوجية مصطنعة (يمين ويسار)، بهدف تفتيت وحدة هذا المكوّن التاريخي المهم. وقد فشلت في ذلك فشلًا ذريعًا، خاصة حين حاولت التسلل إلى إحدى منصات الحوار النوبية التي تُدار كمركز أبحاث مستقل، وتضم في عضويتها نحو ستة آلاف نوبي موزعين بالتساوي بين ضفتي النيل، وفق التقسيم المصري لبلاد النوبة.

كُشف أمرها سريعًا، وتم إخراجها من المجموعة بعد أن تمادت في خطابها التحريضي، فانكشفت نواياها وسقط القناع. لجأت بعدها إلى المملكة المتحدة، حيث حاولت تقمّص شخصية مختلفة، لكنها عادت لتُبدي مواقفها القديمة بلغة أكثر تطرفًا، مهاجمةً بعض مكونات الشعب السوداني، لا سيما من أسمتهم بـ”الغرابة”، مستخدمةً توصيفات مهينة ومرفوضة.
واليوم، تظهر في صورة جديدة، تعلن فيها وقوفها إلى جانب قوى الثورة المدنية التي لطالما كانت من أشد خصومها. وهذا التحوّل ليس سوى فصل إضافي في تراجيديا المناورات السياسية التي مارسها العديد من رموز النظام السابق، ممن يسعون إلى إعادة التموضع في المشهد عبر أقنعة جديدة، دون مراجعة أو اعتراف بالجرائم والانهيارات التي كانوا شركاء أصيلين فيها.

توثيق سجل العقوبات والانتهاكات: إرث انقلاب الكيزان

منذ انقلاب 30 يونيو 1989، دأب نظام الكيزان على بناء منظومة قمعية تمحورت حول التمكين السياسي، والإقصاء المنهجي، وتفكيك الدولة الوطنية لمصلحة الجماعة. وقد طُبّقت عقوبات مباشرة وغير مباشرة بحق آلاف السودانيين، من فصل تعسفي من الخدمة المدنية والعسكرية، إلى الاعتقال والتعذيب والإعدام خارج القانون، إضافة إلى سياسات الإفقار والتجويع المُمنهجة في مناطق النزاع والهامش.

أُجبر عشرات الآلاف على الهجرة، وتعرضت المكونات الثقافية واللغوية للتهميش والتشويه باسم “الأسلمة” و”التعريب”. أما الموارد العامة، فقد حُوّلت إلى أدوات تمويل لجهاز حزبي سري متفرّع، تغلغلت أذرعه في الاقتصاد والبنوك والتعليم والجيش.

وقد وثّقت منصة “مجموعة في انتظار كوش” – وهي منصة بحثية مستقلة على فيسبوك تُدار على أسس معرفية وتشاركية – جانبًا مهمًا من هذه السياسات، بما في ذلك محاولات الاختراق الأيديولوجي للمكونات النوبية والسودانية عمومًا، كما في حالة حياة عبد الملك. وقد أُرفقت ضمن هذه المنصة مستندات وتحليلات توضّح كيف جرى استغلال مؤسسات التفكير والحوار كساحات لتقسيم الشعوب على أسس مصطنعة.

ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة تدوير هذه الوجوه، أو التماس الأعذار لتحوّلاتهم التكتيكية، لا تُغيّر من حقيقة اشتراكهم الفعلي في منظومة القمع والفساد والانقسام التي أوصلت السودان إلى لحظته الراهنة من الانهيار والدمار.

خاتمة: ذاكرة الشعوب لا تُخدع

ما تمثّله حياة عبد الملك ليس مجرد حالة فردية، بل تجسيد حيّ لسياسة كاملة انتهجها نظام انقلاب الكيزان، قوامها التمويه، والتلون، والتسلل إلى مفاصل المجتمع بمختلف الأقنعة، من أجل البقاء في المشهد، ولو على أنقاض وطن. ومع أن بعضهم يحاول العودة اليوم تحت لافتات جديدة، فإنّ ذاكرة الشعوب لا تُخدع، ولا تُمحى بسهولة آثار الجرائم والتنظيمات التي عطّلت مشروع الدولة السودانية، ودمّرت نسيجها التاريخي.

ان توثيق هذه التحولات و الانكشافات لايعَدّ نوعًا من التشهير، بل هو واجب وطني ومعرفي يمكّن السودانيين من تحصين مستقبلهم، وضمان ألا تتكرّر المأساة بأدوات جديدة. وفي هذا السياق، تواصل “مجموعة في انتظار كوش” ومعها القوى الديمقراطية، وعلى رأسها تحالف تأسيس، جهودها لكشف الأقنعة، وتثبيت رواية الحقيقة، وبناء مشروع وطني لا مكان فيه لمخلفات الاستبداد أو تُجّار المواقف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!