
عبدالله محمد آدم
بعد أكثر من عامين على حرب دموية أنهكت السودان و أذاقت شعبه الويلات، يخرج مبارك أردول، أحد قادة ما تسمي نفسها بالكتلة الديمقراطية باعترافٍ مذهل علي تلفزيون الجزيرة، يناقض كل ما دافع عنه سابقاً ليقول :لا بديل لوقف هذه الحرب المدمرة، وأن الإسلاميين قد عادوا ليملأوا 80% من كراسي الحكومة. هذا الاعتراف ليس تبصراً بطولياً، بل هو شهادة إدانة لمسار سياسي انتهجته نخبٌ فاسدة تلاعبت بمصير أمة وتذرعت بالوطنية و هي تدفع بالبلاد إلى الهاوية مع سابق علمهم
لم يدهشنا أردول باعترافه بأن الحرب لا تعني سوى الدمار الشامل، لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه كل سوداني شاهد اردول يقدم اعترافه الصادم هو : ألم يكن هذا المعروف واضحاً منذ اليوم الأول؟ لقد كانت حرب أبريل ناراً أُضرمت باختيار، و لقد كان اختيار أردول ورفاقه كان واضحاً، وهو تأييد الحرب و الاستمرار في القتال حتى لو كلف البلاد كل هذا الدمار. و اليوم، حينما تحصد الآلة الحربية كل أخضر ويابس، وتعيد إنتاج أسوأ كوابيس الماضي، يكتشف أردول فجأة أن السلام هو الحل!!!.
لكن لا يمكن لاحد فصل تصريحات أردول الحالية عن دوره التاريخي في التمهيد للانقلاب على الحكومة الانتقالية و ما شاع عن فساده في وزارة المعادن. فما يعلمه الجميع عن اعتصام مجموعته في القصر ( اعتصام الموز) ،مطالبين البرهان بالانقلاب ليس سراً، بل كان حدثاً محورياً أفشل المسار المدني و سلم البلاد للعسكر. والغريب أن أردول يعترف الآن بأن 80% من وزراء البرهان إسلاميون، فهل كان يظن أن دعوته للانقلاب ستؤدي إلى حكومة علمانية ديمقراطية قاتل من اجلها ستة عشر عامًا كما يدعي؟ أم أن الغاية بررت الوسيلة حتى لو كانت الوسيلة هي إشعال حرب أهلية تشرد عشرين مليون و تقتل اهله في جنوب كردفان بالجوع و المرض؟
و المفارقة التاريخية المأساوية حينما يقول أردول إنه قضى 16 عاماً يناضل ضد حكم الإسلاميين، و هي حقيقة تجعل موقفه الحالي أكثر إثارة للاستغراب. فكيف لرجل عاش تجربة محاربة نظام البشير أن يشارك في فعلٍ يُمهد لعودة نفس القوى التي ادعي النضال ضدها؟ إنها مفارقة مأساوية تفضح تناقض النخب السياسية التي تضع مصالحها الضيقة فوق المبادئ التي تدعي الدفاع عنها.
لقد ظن أردول ورفاقه أن الحرب يمكن أن تكون أداة للتغيير، فإذا بها أداة للفناء والردة، فقد حولوا السودان إلى ساحة صراع إقليمي و دولي، و أعادوا إنتاج النظام القديم بصورة أكثر فظاعة. فالحرب لم تدمر البنى التحتية فقط، بل دمرت النسيج الاجتماعي وأطلقت العنان لقوى التطرف والعنف و فاقدي الضمير، و هو ما تؤكده الأوضاع في دارفور و كردفان و الجزيرة و الخرطوم و كل المناطق التي تعيش كابوساً لا يطاق .
يحاول أردول اليوم أن يذكر السودانيين بأنه ناضل 16 عاماً ضد الإسلاميين، وكأنه يطلب براءة التاريخ أو يبحث عن مكان في قلوبهم. لكن هل يعتقد اردول ان ذاكرة الشعب السوداني قصيرة الي هذا المستوي، فينسى أن من ناضل ضد الاستبداد ساهم لاحقاً في إعادة إنتاجه بصورة أكثر دموية، و النضال السابق لا يُمحو الخطيئة اللاحقة، خاصة عندما تكون الخطيئة هي الدمار الشامل للوطن و سرقة موارده و تشريد اهله.
و ليس الاعتراف بالخطأ فضيلة عندما يأتي بعد فوات الأوان، وعندما يكون ثمن الخطأ أرواح الآلاف ومستقبل بلد بأكمله. إن ما يحتاجه السودانيون اليوم ليس اعترافات متأخرة، بل مساءلة حقيقية لكل من تسبب في هذه المأساة، و إعادة بناء عقد اجتماعي جديد يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية و الصراعات الشخصية و اغلاق الطريق امام اي تحالفات مشبوهة مع قوى الفوضى والدمار. لقد دفن السودانيون أحباءهم، وشردوا من ديارهم، وها هم يشاهدون من تسبب في كارثتهم يكتشف فجأة (حقيقة) كانت واضحة للعيان منذ البداية. فليعلم السيد اردول ان الوطن ليس رهينة بأهواء السياسيين الفاسدين، و ان شعباً عرف معنى الكرامة لن يترك مصيره بين يدي من باعوا الضمير مقابل كرسي زائل.




