
نجم الدين دريسة
يمثل تحالف السودان التأسيسي نقلة نوعية في المشهد السياسي السوداني، إذ لم يكتفِ بتشخيص الأزمة أو تقديم مقترحات سطحية كما فعلت العديد من التحالفات السابقة، بل ذهب إلى عمق المعضلة الوطنية وخاطب جذورها التاريخية والسياسية والاجتماعية. فالمشروع الذي يتبناه التحالف يرتكز على إعادة صياغة الدولة السودانية في شكل دولة ديمقراطية فدرالية علمانية، قادرة على استيعاب التنوع الإثني والثقافي والجغرافي، وعلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يضمن المواطنة المتساوية ويضع حدًا لدوامة الحروب والأزمات التي لازمت السودان منذ استقلاله.
تقوم رؤية التحالف على مرتكزات أساسية، أبرزها بناء جيش وطني مهني بعقيدة قتالية تستوعب الواقع المتعدد للبلاد من حيث الإثنيات والثقل السكاني والتوزيع الجغرافي، بحيث يتحول الجيش إلى مؤسسة قومية حامية للدولة والمجتمع لا إلى أداة للهيمنة السياسية أو وسيلة لإدامة مصالح نخبة ضيقة. كما يولي التحالف أهمية قصوى لمسألة توزيع السلطة والثروة على نحو عادل يقطع الطريق أمام عقلية المركزية القابضة التي أفرزت التهميش والحرمان وأشعلت نيران الصراعات.
لكن، وبالرغم من هذه الرؤية الطموحة، يواجه التحالف تحديات جسام في الانتقال من النظرية إلى التطبيق. من أبرز هذه التحديات إنشاء مؤسسات حقيقية قادرة على الصمود أمام الضغوط، وتوظيف الموارد المتاحة بكفاءة في ظل اقتصاد منهك وعلاقات إقليمية ودولية معقدة. كذلك فإن ملف العلاقات الخارجية يشكل تحديًا بالغ الحساسية، ما يفرض على التحالف تبني سياسة أكثر انفتاحًا وواقعية لكسب الدعم الإقليمي والدولي دون التفريط في استقلالية القرار الوطني.
ما يميز تحالف السودان التأسيسي عن غيره من التحالفات السابقة أنه الأعرض والأكثر تنوعًا، إذ يستند إلى قاعدة جماهيرية واسعة تتوزع على مختلف الأقاليم والفئات الاجتماعية، وتؤمن بمشروع واضح المعالم لبناء الدولة، لا بمجرد شعارات عامة أو رؤى نظرية غير قابلة للتحقيق. وهذا ما يمنحه قدرة استثنائية على كسر الجمود السياسي والتأسيس لمرحلة جديدة من تاريخ السودان.
ورغم ذلك، تبقى معضلة أخرى لا تقل خطورة، وهي أن رؤية المجتمع الدولي للأزمة السودانية لم تتجاوز حتى الآن السرديات التقليدية التي تختزل الصراع في ثنائيات سطحية، متجاهلة العمق البنيوي للأزمة. ما يعني أن التحالف سيضطر لبذل جهد مضاعف لإقناع العالم بجدوى مشروعه الجديد، ولتغيير الصورة النمطية التي ترسخت لعقود طويلة عن طبيعة الأزمة السودانية.
في المحصلة، يمثل تحالف السودان التأسيسي بارقة أمل حقيقية لبناء دولة عادلة ومستقرة، شرط أن يتمكن من تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس عبر سياسات عملية، وإرادة سياسية صلبة، وتوافق وطني واسع. فهو مشروع ليس فقط لإعادة تأسيس الدولة السودانية، بل أيضًا لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين الداخل والخارج، وبين الماضي والمستقبل.




