
في مشهد غير مألوف في تاريخ السودان الحديث، اجتمع قادة حكومة الوحدة والسلام – حكومة تأسيس برئاسة محمد حمدان دقلو (حميدتي) ورئيس الوزراء محمد حسن التعايشي وعدد من أعضاء المجلس الرئاسي، في الهواء الطلق بمدينة نيالا. جلس القادة على حصائر تقليدية من سعف النخيل، وسط آثار المطر والخريف، تتوسطهم “كفتيرة شاي” قديمة، في صورة بسيطة لكنها محملة بدلالات عميقة.
هذا الاجتماع الميداني لم يكن مجرد لقطة عابرة على منصات التواصل، بل فعلاً سياسياً يعيد تعريف علاقة الحاكم بالمحكوم. فالحاكم، كما جسده المشهد، ليس معزولاً في برج عاجي ولا تحيطه قداسة مصطنعة، بل إنسان بين الناس، يجلس كما يجلسون، ويتناقش معهم في أي زمان ومكان—even وسط الطين وآثار المطر. إنها محاولة لتكريس أسلوب جديد في الحكم، يفتح الباب أمام ثقافة سياسية أقرب لوجدان الشعب.
منذ الاستقلال، سارت الحكومات المتعاقبة على خطى المستعمر في تعاليها على المواطنين. كانت القرارات تُصنع داخل القصور والقاعات المغلقة، بينما ظل الشعب بعيداً، يشعر أن السلطة منفصلة عن قضاياه اليومية. واليوم، تأتي حكومة تأسيس لتكسر هذا الإرث، وتبعث برسالة مفادها أن نقاش قضايا الأمة لا يحتاج إلى بروتوكول متخشب، بل إلى رحابة التواضع والانصات المباشر.
قد يرى البعض في المشهد استعراضاً إعلامياً، بينما يعتبره آخرون علامة على قرب القيادة من الشعب. لكن المؤكد أن الجلسة أطلقت نقاشاً واسعاً حول معنى السلطة وجدوى ممارستها بهذه البساطة. إنها رسالة بأن الحكم لا يقوم على الأبهة والرمزية الجوفاء، بل على الحضور بين الناس وتحويل الحوار الشعبي إلى ممارسة يومية.
في بلد أنهكته الحروب والانقسامات، قد لا يكون “البرش” سوى حصير بسيط، لكنه يفتح أفقاً مختلفاً: أن الحاكم، قبل كل شيء، إنسان يستمع ويشارك ويقرر وسط أهله. وربما تكون هذه البساطة، في نهاية المطاف، أكثر إلهاماً من مئات المؤتمرات والاجتماعات المغلقة .




