
يشهد السودان لحظة تأسيسية نادرة في تاريخه السياسي المعاصر مع ميلاد حكومة الوحدة والسلام، التي تمثل انتقالاً من مرحلة الصراع والانقسام إلى مرحلة تسعى لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تعكس التطلعات الحقيقية لشعوبه المتنوعة. هذه الحكومة لا تنبع أهميتها من كونها تشكيل سياسي فحسب، بل من كونها مشروعاً لإعادة تعريف الدولة السودانية بما يتجاوز الموروث المركزي للنخب الضيقة التي احتكرت السلطة والثروة لعقود طويلة، ورسخت أنماط التهميش والإقصاء، وأدخلت البلاد في أزمات متلاحقة وحروب دامية. إن لحظة التأسيس الراهنة تعكس انتقالاً من منطق النخبة إلى منطق الجماعة الوطنية، ومن عقلية الغلبة والاحتكار إلى ثقافة المشاركة والتعدد والاعتراف بالآخر.
كما أن حكومة الوحدة والسلام تجد نفسها أمام مسؤولية جسيمة تتمثل في معالجة جذور الأزمة السودانية التي ارتبطت تاريخياً بضعف مؤسسات الدولة، وغياب الشفافية، وانعدام المحاسبة، وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع. لذلك فإن أول ما يتعين عليها هو ترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، بما يعنيه من احترام القانون، وضمان استقلال المؤسسات، وتعزيز المشاركة الشعبية، وتكريس مبدأ سيادة الشعب على قراره ومصيره. فالحكم الرشيد ليس شعاراً إنشائياً، بل إطار عملي يعكس التزاماً بالشفافية في إدارة الموارد العامة، ويمنح المواطن الحق في مراقبة السلطة ومحاسبتها، ويضع حداً لثقافة الإفلات من العقاب التي أسهمت في إعادة إنتاج الأزمات عبر التاريخ السوداني الحديث.
وإذا كان الحكم الرشيد يمثل الأساس النظري والعملي لنجاح أي عملية تحول سياسي، فإن الحوكمة تمثل الأداة التنفيذية التي تضمن وضوح الأدوار وتوزيع السلطات ومنع التضارب بين أجهزة الدولة، بما يحفظ الكفاءة والفاعلية. ومن خلال الحوكمة الرشيدة يمكن إدارة الموارد الاقتصادية والاجتماعية بعدالة وموضوعية، وربط السياسات الوطنية برؤية استراتيجية واضحة تسعى إلى بناء مؤسسات مستدامة وقادرة على الصمود أمام التحديات. وفي ظل التراكم الكبير للفساد الذي أصاب الدولة السودانية لعقود، فإن بناء منظومة محكمة للحوكمة سيشكل صمام الأمان لعدم عودة شبكات المصالح القديمة للتحكم في مسار الدولة الجديدة.
وتأتي مسألة الشفافية والمحاسبة كأحد المداخل الجوهرية لبناء الثقة بين المواطن والدولة. فالشفافية تعني فتح المجال أمام المجتمع للاطلاع على كيفية إدارة المال العام وتخصيص الموارد ومتابعة السياسات العامة، في حين تمثل المحاسبة آلية عملية لضمان خضوع الجميع للقانون بلا استثناء. ولا يمكن الحديث عن سلام دائم أو وحدة وطنية من غير عدالة انتقالية ترد المظالم وتكشف الانتهاكات وتعيد الاعتبار للضحايا. فالتجربة السودانية علمت الأجيال أن غياب العدالة هو الوصفة الأكيدة لتجدد الصراعات واستمرار النزاعات.
وعلى الصعيد التنموي، تبدو حكومة الوحدة والسلام مطالبة بمواءمة برامجها مع أهداف التنمية المستدامة والألفية التنموية، بما يجعل السودان جزءاً من التوجه العالمي نحو إنهاء الفقر والجوع، وضمان التعليم والصحة للجميع، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وتوسيع نطاق الحصول على المياه والطاقة النظيفة، إلى جانب توفير فرص العمل اللائقة للشباب والنساء. إن إدماج هذه الأهداف في سياسات الدولة لا يمثل مجرد التزام أخلاقي أو سياسي، بل هو مدخل ضروري لإرساء الاستقرار الاجتماعي وبناء اقتصاد وطني قادر على النمو المستدام. السودان بما يمتلكه من موارد طبيعية وبشرية مؤهل لأن يتحول إلى نموذج إفريقي ناجح، لكن نجاح ذلك يظل رهيناً بقدرة الحكومة على توجيه هذه الموارد بفعالية وتوزيع عائداتها بعدالة.
وفي هذا السياق، فإن مهام حكومة التأسيس تمتد لتشمل بناء مؤسسات قوية وفعالة تستند إلى أسس مهنية، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية والعسكرية بما يجعلها تعبيراً عن روح الدولة لا أداة بيد فئة أو حزب. كما تمتد هذه المهام إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية على نحو يحقق التوازن بين حماية السيادة الوطنية والانفتاح على العالم، عبر بناء شراكات قائمة على تبادل المنافع لا التبعية. فالسياسة الخارجية الرشيدة ستكون إحدى أدوات تفكيك العزلة التي عانى منها السودان طويلاً، كما ستكون مدخلاً ضرورياً لجذب الاستثمارات وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي.
إن الطريق أمام حكومة الوحدة والسلام ليس سهلاً، فهو محفوف بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته الطريق الوحيد نحو بناء وطن جديد تتعزز فيه قيم الحرية والعدالة والشفافية، وينهض على أسس الحوكمة والحكم الرشيد، ويتطلع إلى تحقيق التنمية المستدامة التي تحقق كرامة المواطن وتعيد للسودان مكانته المستحقة في محيطه الإقليمي والدولي. كما أن هذا الطريق هو طريق التأسيس الحقيقي، طريق بناء الدولة السودانية الحديثة التي لا تقوم على الغلبة والإقصاء وإنما على الوحدة والسلام.




