
لؤي قور
جاء في الأثر، أن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب “رضي الله عنه”، رأى أن تتم البيعة له أولاً وتستقر، ومن ثم يحاكم قتلة “عثمان بن عفان” – وهم جماعة مارقة يبلغ عددها الألفي شخص – ويقتص منهم. خاصة بعد اختلاط هؤلاء القتلة بالناس بعد استيلائهم على المدينة، ثم اختلاطهم بجيش “علي” نفسه وامتلاكهم للسلاح، بينما رأى فريقاً آخر من المسلمين، أنه لا بد من القصاص من قتلة عثمان أولاً، وقبل كل شيء. فالتجأ القتلة لإشعال الفتنة بين الفريقين – المتحفزين للقتال نتيجة التوتر واحتدام الخلاف – بأن هجموا على كلا المعسكرين ليلاً وفي وقت واحد، وأوقعوا فيهم القتل، حتى ظن كل فريق أن الآخر هو الذي هجم عليه، فكانت المعركة الدامية، والتي أودت بحياة الألاف من خيار الصحابة ومن المبشرين بالجنة. ومن ثم انفرط عقد الأمور من يد علي، فاستقل معاوية بالشام، وأعلن نفسه خليفة للمسلمين.
علم قتلة عثمان أن التوصل لحل سلمي بين الفريقين وحقن دماء المسلمين لا يعني سوى محاكمتهم، وقتلهم بدم الخليفة الراشد المسفوح. ولم يكن لهم خيار للنجاة سوى إعمال سيوفهم في كلا الفريقين، وإشعال فتنة أزهقت أرواح آلاف المسلمين دون أن يرمش لهم جفن، إنقاذاً لرقابهم المجرمة.
واليوم وبعد ما يزيد على الألف عام تستدعي الحركة الإسلامية السودانية حيلة “قتلة عثمان” حين أيقنت من دنو ساعة الحساب حال التوافق على أي مخرج سلمي للبلاد، عقب انقلابهم على الحكومة الشرعية في أكتوبر 2021، فلم يترددوا في إشعال حرب الخامس عشر من أبريل بأيديهم، ليجعلوا من السودان ساحة عنف دموي غير مسبوقة، ويشعلوا الحرائق في كل شيء ومكان.
أطلق قتلة الشهداء من مجرمي الحركة الإسلامية على غدرهم بالآمنين اسم حرب الكرامة إمعاناً في التضليل، وأضفوا عليها صبغة وطنية كذوب سرعان ما انكشف أمرها، فاتجهوا بالحرب منحى عرقياً، وصوروها على أنها حرب بين قبائل شمال ووسط السودان من جانب، ضد قبائل غرب البلاد في كردفان ودارفور، وأدخلوا مصطلح جديد هو مصطلح “الحواضن” على قاموس الصراعات السياسية والعسكرية في السودان لأول مرة، وأيقظوا ضغائن النفوس الصغيرة ونشروا خطاب الكراهية بين أبناء الوطن الواحد تسعيراً للحرب، والعياذ بالله.
ولم تكتف الاستخبارات العسكرية للجيش المسيس بتلفيق التهم التي تصل عقوبتها للإعدام للجان المقاومة والعاملين في المطابخ الجماعية وغرف الطوارئ والقانونيين والصحفيين والناشطين، بل عاودت نشاطها “القديم” في صناعة الفتن بين المكونات الاجتماعية في السودان، والتي راح ضحيتها الآلاف ممن تربط بينهم صلة الدم والنسب، ودونما سبب واضح، أو لأسباب واهية. لكن الحقيقة الواضحة والتي لا تخطئها عين، هي ارتباط الاستخبارات العسكرية للجيش بكل هذه الجرائم. قال إخوان الشياطين ذات عزة بالإثم: “نحن بنينا السودان، ونحن سنحرقه”!
بقي أن نقول إنه وفي نهاية المطاف تم قتل كل من شارك في اغتيال عثمان، وقتل آخر رجلين منهم بعد أربعين عاماً من الجريمة على يد “الحجاج بن يوسف”، بتهمة قتل عثمان، وهما “عمير بن ضابئ البرجمي”، و”كميل بن زياد النخعي”. وما من شك أنه وبذات الطريقة سيتم القصاص من قتلة شهداء الثورة السودانية، فالقاتل يقتل ولو بعد حين. حفظ الله السودان وشعب السودان.




