رأي

جدلية الدولة والمجتمع في التجربة السودانية : بين الغنيمة والمواطنة

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

حين تعجز العقول عن إدارة التنوع تصبح الأوطان مجرد ساحات للاقتتال

لم تكن فاجعة الخامس عشر من أبريل لعام ألفين وثلاثة وعشرين سوى العَرَض الأكثر دموية لمرض عضال ظل ينهش جسد الدولة السودانية منذ فجر استقلالها. إن اختزال المأزق الوطني الشامل في طلقة البداية، أو الانشغال العقيم بتحديد الهوية الجنائية لمن أشعل عود الثقاب الأول، يمثل هروباً معرفياً وسقوطاً في فخ السطحية السياسية. فالإلحاح في طرح أسئلة الراهن العسكري المحض من المسؤول؟ ومن سينتصر؟ لا يعدو كونه قراءات قاصرة تدور بحذر حول قشرة الحدث دون الجرأة على سبر أغوار البنية التحتية الفكرية التي أنتجته. إن المشهد السوداني المأزوم لا يعاني انقطاعاً مفاجئاً في مسار الاستقرار، بل يعيش حالة تكلس تاريخي مستمر، حيث تتحرك الجيوش والنخب فوق أرضية معرفية ملغومة، أُسست على تصورات مشوهة لمعادلة السلطة والمجتمع، وما الحرب الحالية إلا تجلٍ عنيف لهذا الانسداد الفكري المزمن.

تتبدى الحقيقة العارية وراء هذا الانهيار في كون السودان لا يواجه أزمة ندرة في الموارد أو عجزاً في صياغة الدساتير، بل يرزح تحت وطأة أزمة عقل جمعي متوارث، أعاد إنتاج الفشل بشكل دوري رتيب. إن المنظومة السياسية المتعاقبة، بوجوهها المدنية والعسكرية على حد سواء، لم تكن سوى تجسيد مكبر للاختلالات الثقافية والتربوية الكامنة في البناء الفكري العام. فالسياسي لا يولد في فراغ بنيوي، بل هو نتاج طبيعي للمدرسة، والمنبر، والرواية التاريخية الانتقائية، واللغة اليومية المحملة بترميزات الإقصاء والتعالي. وحين يصاب العقل الجماعي بمتلازمة التمركز حول الذات القبلية أو الجهوية، تصبح الدولة تلقائياً ساحة للمغالبة الصفرية، وتتحول أدوات الحكم من وسائل لإدارة التنوع وصناعة الرفاه الجماعي إلى آليات قهرية لفرض الهيمنة وتوزيع الامتيازات الفئوية الضيقة.

من هنا، يبدو الدوران في حلقة مفرغة من تغيير الوجوه واستبدال الحكومات بمثابة عبث سياسي طويل الأمد أهدر طاقات الأمة. لقد شهدت التجربة السودانية انقلابات عسكرية ثارت عليها انتفاضات شعبية عارمة، وتبدلت الرايات والشعارات من أقصى اليمين العقائدي إلى أقصى اليسار الأيديولوجي، غير أن المخرجات النهائية ظلت تتطابق بغرابة مذهلة. هذا التكرار الفادح يبرهن على أن العلة لم تكن يوماً في شخوص الحكام أو شرعيتهم القانونية فحسب، بل في “البرمجيات الفكرية” التي تدير نمط التفكير السياسي للبلاد. لقد برع الفاعل السياسي السوداني في تغيير اللاعبين مع الإبقاء الصارم على قواعد اللعبة ذاتها؛ تلك القواعد القائمة على احتكار الفضاء العام، وإقصاء الآخر، والنظر إلى مؤسسات الدولة بوصفها غنائم تاريخية يجب تحصينها ضد الشركاء المفترضين في الوطن.

إن الوجه الأكثر قتامة للحروب السودانية المتسلسلة، ولا سيما الحرب الأخيرة، أنها لم تبتكر الكراهية من عدم، بل نزعت عنها قناع الزيف الاجتماعي الذي طالما تستر به العقل الجمعي. فالضغائن والأحكام المسبقة لا تتخلق فجأة في خنادق القتال، وإنما تُطبخ على نار هادئة في البنى التحتية للمجتمع؛ في الحكايات الشعبية التي تُقزم الآخر، وفي المناهج التعليمية التي تتجاهل التعدد، وفي التراتبيات غير المعلنة التي تصنف البشر وفقاً لأصولهم ولغاتهم. كانت الدولة الهشة بمؤسساتها البيروقراطية تمارس دوراً تخديرياً يؤجل الانفجار الحتمي، لكن مع أول تصدع في جدار المؤسسة السيادية، تدفقت حمم العصبيات الأولية لتعيد تعريف الصراع السياسي كمعركة وجودية بين هويات مغلقة، حيث تُنحر قيم المواطنة علانية على مذبح الولاءات البدائية.

ويبرز الخطأ المعرفي الجسيم في الترويج لفرضية مفادها أن التنوع العرقي والثقافي في السودان يمثل لعنة جغرافية أو معضلة يستحيل حلها. إن استقراء التاريخ الإنساني الحديث يكشف عن نماذج دولية متعددة فاقت السودان تعقيداً وتشرذماً إثنياً، لكنها نجحت في تحويل هذا التباين إلى رافعة حضارية واقتصادية عملاقة. الأزمة إذن ليست في التعددية ذاتها، بل في الفشل الممنهج للنخب السياسية في ابتكار عقد اجتماعي عادل يعترف بالاختلاف كقيمة مضافة، بدلاً من التعامل معه كمهدد أمني يتطلب الصهر القسري أو التهميش الهيكلي. إن العجز عن إقامة هندسة مؤسسية دستورية تستوعب هذا التباين هو الذي حول الثراء الثقافي إلى وقود دائم للحروب الأهلية، وجعل من التنوع مقصلة للوحدة الوطنية بدلاً من أن يكون مصدراً لقوتها ومنعتها.

عندما تتحول الدولة في الوجدان الجمعي من مؤسسة حامية للحقوق إلى غنيمة فئوية، يفقد مفهوم المواطنة دلالته القانونية والأخلاقية. في هذا المناخ المأزوم، يصبح الانتماء إلى العشيرة أو الجهة هو خط الدفاع الأول والوحيد للفرد للحصول على حقوقه الأساسية أو تأمين بقائه المادي والمعنوي. يترتب على هذا الانزلاق الخطير تحول التنافس البرامجي السلمي إلى صراع صفري مدمر، حيث يُلغى مفهوم “الخصم السياسي” ليحل محله مفهوم “العدو الوجودي”. وفي محاولة للاهتداء إلى مشجب يُعلق عليه الفشل التاريخي، تلجأ المنظومات الفكرية المأزومة إلى صناعة “الآخر الشرير”، وتحميله مسؤولية الانكسارات الوطنية كافة، مما يعطل ملكة النقد الذاتي ويقود إلى حالة من الانكار الجمعي المانع لأي إصلاح حقيقي.

بناءً على هذا التشريح، فإن الحديث عن وقف إطلاق النار، أو إبرام تسويات سياسية فوقية بين أمراء الحرب والنخب التقليدية، لن يمثل سوى هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس قبل جولة قادمة من الدمار، ما لم يتم تفكيك البنية الفكرية المتسلطة التي أنتجت المأساة. إن إعادة إعمار الحواضر المدنية وتأهيل البنى التحتية، على صعوبتها الكبيرة، تظل مهمة تقنية يسيرة مقارنة بالتحدي المصيري المتمثل في إعادة بناء العقول وترميم الثقة المتشظية بين مكونات المجتمع. إن الاتفاقيات الورقية والمحاصصات السلطوية لا تبني وطناً مستداماً؛ بل يبنيه الإيمان الراسخ بأن الدولة الحديثة هي كيان قانوني محايد يتساوى فيه الجميع أمام الدستور، وأن الهويات الفرعية يجب أن تتكامل احتراماً للهوية الوطنية الجامعة.

إن السؤال الجوهري الذي يجب أن يؤرق الضمير السوداني في مرحلة ما بعد الحرب لا ينبغي أن يتمحور حول هوية الحاكم القادم أو كتلته السياسية، بل يجب أن يتوجه صوب الكيفية التي يفكر بها السودانيون في أنفسهم وفي مفهوم الدولة والسلطة. لقد أثبتت التجربة أن الأحزاب السياسية، التي كان يُرجى منها قيادة المجتمع نحو الحداثة والتنافس البرامجي، قد سقطت في فخ إعادة إنتاج الولاءات التقليدية، واستثمرت في العصبيات المحلية لضمان مكاسب سلطوية رخيصة. هذا التداخل المشوه جعل المجتمع ينتج سياسة تعكس علله البنيوية، والسياسة بدورها تعمق انقسامات المجتمع العمودية، مما أحكم إغلاق الدائرة التدميرية وجعل التغيير مجرد وهم بصري يتلاشى عند أول اختبار حقيقي.

وفي الختام، يجب الإقرار بأن هذا العقل الجمعي المأزوم ليس حتماً سرمدياً لا يمكن الفكاك منه، بل هو بناء فكري وتاريخي تراكمي تشكل عبر عقود، وبالتالي فهو قابل للتفكيك والتشريح وإعادة التأسيس عبر إرادة وطنية واعية. إن الرهان الحقيقي للمستقبل لا يكمن في استنساخ الوصفات الدستورية المعيبة أو تعديل نسب المشاركة في كعكة السلطة، وإنما في إطلاق مشروع فكري وثقافي نقدي شامل يعيد بناء الإنسان السوداني قيمياً ومعرفياً. إن الدول لا تسقط لأنها خسرت جولة عسكرية، بل تندثر عندما يفقد مواطنوها اليقين بجدوى العيش المشترك وفكرة الوطن. المعركة الحقيقية القادمة ليست معركة رصاص وسلاح، بل هي معركة وعي بامتياز؛ فإما أن ينتصر الوعي الجديد فتولد الدولة الحديثة من رماد الحرب، أو يظل العقل أسيراً لأوهامه التاريخية، فيستمر التاريخ في تكرار مآسيه بوجوه جديدة ورايات مختلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!