تقارير وتحقيقات

الخرطوم بين المرض والحرب: أوبئة فتاكة ومافيا أدوية واتّهامات باستخدام الكيماوي

تقرير : التنوير

تعيش ولاية الخرطوم واحدة من أسوأ أزماتها الصحية في تاريخها الحديث فمع تسارع انتشار الأوبئة الفتاكة مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا، ارتفعت معدلات الوفيات وسط المواطنين، بينما بقيت السلطات عاجزة عن الاستجابة بل ومتورطة ـ وفق اتهامات واسعة ـ في مفاقمة الكارثة.

 

 

انتشار مقلق 

 

تضاعفت معدلات الإصابات بالأمراض المعدية بوتيرة متسارعة، مما ينذر بكارثة إنسانية وصحية قد تتجاوز حدود الخرطوم إلى ولايات أخرى وضعف البنية التحتية الصحية، ونقص الأدوية، وإغلاق أو تعطل العديد من المستشفيات بسبب الحرب والظروف الاقتصادية، كلها عوامل ساعدت على تفشي الوباء بشكل غير مسبوق.

 

غياب الدور الحكومي

 

بدلاً من أن تضطلع سلطات الأمر الواقع بمسؤولياتها في احتواء الأزمة، تبدو عاجزة عن التعامل مع الموقف. غابت حملات التوعية الصحية، وتراجعت جهود الوقاية، ولم تتوفر أي خطة واضحة للتطعيم أو العلاج الجماعي هذا الفشل يثير تساؤلات حادة حول أولويات السلطة في ظل انشغالها بالصراع السياسي والعسكري على حساب أرواح المواطنين.

 

الأوبئة والحرب

 

يأتي انتشار الأوبئة في سياق بيئة منهكة أصلًا بسبب الحرب المستمرة، التي أدت إلى نزوح واسع للسكان وتكدسهم في مناطق مكتظة تفتقر لأبسط مقومات الصحة العامة مثل المياه النظيفة والصرف الصحي. هذا التداخل بين الحرب والمرض يضاعف المخاطر ويجعل السيطرة على الوضع أكثر صعوبة.

 

مسؤولية المجتمع الدولي

 

مع استمرار عجز السلطات المحلية، يزداد الاعتماد على تدخل المنظمات الإنسانية والدولية. غير أن القيود الأمنية وصعوبة الوصول إلى مناطق الانتشار تقف حجر عثرة أمام الجهود الإغاثية، مما يعمق الأزمة ويطرح هذا الواقع سؤالًا ملحًا: إلى متى سيظل المدنيين رهائن لتقاعس السلطات المحلية و تباطؤ المجتمع الدولي؟

 

مافيا الأدوية

 

يشير مسؤولون في وزارتي الصحة الاتحادية والولائية إلى تورط جهات نافذة في احتكار الأدوية الأساسية، ومنع وصولها إلى الصيدليات، لتهيئة المجال أمام شبكات السوق السوداء التي تنشط في بيع الدواء بأسعار خيالية.

وتصدرت الأزمة عقار “دربات البندول” الذي يستخدم في علاج حمى الضنك، حيث ارتفع سعره إلى مستويات فلكية، ما جعل آلاف المرضى غير قادرين على الحصول عليه. هذا المشهد يكشف بوضوح كيف تحوّل الدواء من وسيلة لإنقاذ الأرواح إلى سلعة يتربّح منها المتنفذون على حساب حياة الناس.

 

أسلحة كيميائية

 

في موازاة ذلك، رجّح خبراء أن الانتشار غير المسبوق للأوبئة في الخرطوم لا يعود فقط إلى تردي البيئة الصحية، بل ربما يرتبط باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية في بعض مناطق القتال. ويؤكد هؤلاء أن آثار هذه المواد السامة قد تكون أسهمت في جعل العاصمة بيئة غير صالحة للسكن على المدى القريب، مع ما يرافق ذلك من ضعف مناعة السكان وانتشار غير اعتيادي للأمراض.

ورغم خطورة هذه الاتهامات، لم تُجرَ حتى الآن أي تحقيقات شفافة أو فحوصات بيئية مستقلة لتأكيد أو نفي الأمر، مما يزيد من حالة القلق وعدم الثقة لدى المواطنين.

 

نزوح عكسي

 

في ظل تفشي الأمراض وانعدام فرص العلاج، لجأ كثير من العائدين من رحلة النزوح إلى اتخاذ قرار صادم: العودة مجددًا إلى مناطق النزوح البعيدة عن الخرطوم، رغم قسوة ظروفها الإنسانية. هؤلاء يرون أن البقاء في العاصمة وسط الأوبئة الفتاكة أصبح أشبه بانتحار بطيء.

هذا “النزوح العكسي” يعكس حجم المأساة، ويكشف أن الخرطوم، التي كانت ملاذًا طبيعيًا للنازحين في الماضي، تحولت اليوم إلى طاردة لسكانها بفعل الحرب والمرض معًا.

 

أزمة مركبة 

 

ما يحدث في الخرطوم ليس مجرد أزمة صحية عابرة، بل هو نتاج لتشابك الحرب والسياسة والفساد فشل السلطات في السيطرة على الأوبئة، وتورط مسؤولين في تجارة الأدوية، والاتهامات باستخدام الكيماوي، جميعها عوامل صنعت وضعًا كارثيًا يتجاوز حدود الصحة العامة إلى تهديد وجودي لسكان العاصمة.

 

حالة الطوارئ

وفي محاولة للسيطرة على الأوبئة أعلن حاكم الخرطوم في حكومة السلام والوحدة “فارس النور”، حالة الطوارئ الصحية في العاصمة “اعتباراً من أمس الأحد، وحتى إشعار آخر”. “لضمان حشد الموارد، وتنسيق الجهود لمواجهة الخطر الداهم”، بحسب تعبيره.

ودعا “النور” منظمة الصحة العالمية (WHO)، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وجميع المنظمات الإنسانية والإغاثية، للتدخل الفوري عبر إرسال فرق طبية متخصصة، مستشفيات ميدانية، أدوية أساسية، ومعينات صحية لمكافحة الأوبئة، ووقف انتشارها.

وأشار حاكم الخرطوم في تصريح صحفي الأحد، إلى أن القرار جاء انطلاقًا من مسؤوليتهم الدستورية والإنسانية تجاه مواطني ولاية الخرطوم، ونظراً للتقارير المتزايدة عن تفشي أوبئة وأمراض خطيرة، وخصوصا حمى الضنك التي تهدد حياة الملايين، مع الانهيار شبه الكامل للقدرات الصحية المحلية.

وناشد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لتقديم الدعم العاجل، مادياً ولوجستياً وتقنيًا، للحيلولة دون وقوع كارثة إنسانية واسعة النطاق. وطالب بمراقبة المنظمات لعمليات توزيع الأدوية واللقاحات، بما يضمن وصولها إلى المواطنين المستحقين، وقطع الطريق أمام شبكات الفساد والاحتكار.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!