رأي

النساء والعدالة في طريق السلام

براءة حامد

 

براءة حامد

من بين الأولويات التي تقف أمام حكومة السلام والوحدة الوطنية تبرز قضية العدالة والمساءلة بوصفها حجر الزاوية لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقي. بالنسبة للنساء الخارجات من الحروب، يمثل هذان المبدآن أكثر من مجرد شعارات سياسية؛ إنهما طوق نجاة، ووسيلة لاستعادة الكرامة المهدرة، ورد الحقوق، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي حوّلتهن إلى ضحايا للعنف الجنسي والجسدي والإقصاء الممنهج.

فالعدالة الجنائية عبر محاكم خاصة أو مختلطة لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، والعدالة الانتقالية من خلال لجان الحقيقة والمصالحة، وجبر الضرر عبر التعويضات وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي، كلها آليات ضرورية لإعادة بناء الثقة المجتمعية. يضاف إلى ذلك الإصلاح المؤسسي للأجهزة الأمنية والقضائية، وسن تشريعات تحمي النساء من العنف والتمييز وتضمن وصولهن العادل للعدالة.

التجارب العالمية تقدم دروسًا ملهمة؛ من لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، إلى نظام “غتشاتشا” المجتمعي في رواندا، والمحكمة الخاصة في سيراليون التي كرست اعتبار العنف الجنسي جريمة حرب. هذه النماذج أثبتت أن العدالة ليست حلمًا بعيدًا، بل مسارًا ممكنًا إذا توافرت الإرادة السياسية.

لكن تحقيق العدالة في السودان يتطلب تكامل الموارد المحلية والدولية: قوانين ومؤسسات وطنية فاعلة، مجتمع مدني نشط، ودعم دولي بالخبرات والتمويل والمراقبة، إضافة إلى شراكات مجتمعية تستفيد من الهياكل التقليدية والدينية لتعزيز المصالحة.

إن حكومة السلام والوحدة الوطنية أمام امتحان تاريخي؛ فإما أن تجعل العدالة والمساءلة أداة لإنصاف النساء وإعادة الاعتبار لحقوقهن، أو تكرر دورة الإفلات من العقاب التي أورثت السودان أزماته المتطاولة. فالعدالة للنساء ليست قضية فئوية، بل مدخل لبناء مجتمع سليم ومعافى، وسلام عادل ومستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!