رأي

سياسات الإرهاب وتفكيك المجتمعات: قراءة أمنية في قضية المحامي بكري منصور

الخبير الامني مجدي شريف

 

رؤية تحليلية أمنية؛ مجدي شريف 

في الدول التي تهتز فيها منظومات العدالة، ويتحوّل القانون إلى أداة انتقام، لا يقتصر الخطر على الأفراد وحدهم، بل يمتد ليهدد أمن المجتمع بكامله. إنّ حادثة الحكم بالإعدام على المحامي بكري منصور تمثل نموذجًا صارخًا لهذا الخلل العميق، ليس فقط بوصفها جريمة أخلاقية أو ظلمًا قانونيًا، بل باعتبارها مؤشرًا أمنيًا خطيرًا على انهيار الضوابط التي تحفظ توازن المجتمعات واستقرارها.

فحين تُستخدم المحاكم كأذرعٍ لسياساتٍ انتقامية، وحين يُدان المواطن الصالح بتهمة “الإنسانية” و”الرحمة”، فإن النتيجة الحتمية هي تفشي حالة من الرعب الجماعي، وانكسار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. بكري منصور لم يكن متمردًا ولا مقاتلاً، بل مواطنًا مدنيًا اختار البقاء في مدينة سنجة أثناء سيطرة قوات الدعم السريع، ليؤدي واجبه الإنساني في تقديم الدواء والعون للمحتاجين.

غير أن هذا الفعل الإنساني، في بيئةٍ ملوثة بالخوف والأحقاد السياسية، تم تفسيره على نحوٍ مقلوب، فصار “تعاونًا مع العدو”، وجرى تحويله إلى قضية أمنية ملفقة انتهت بحكم الإعدام شنقًا حتى الموت.

إنّ أخطر ما في مثل هذه الممارسات هو أنها تُشرعن الإرهاب باسم القانون، وتحوّل أدوات العدالة إلى أدواتٍ لبثّ الرعب. من منظور أمني، هذا المسار يقوّض الاستقرار أكثر مما يحميه؛ لأنه يولّد مجتمعاتٍ خائفة، عاجزة عن التفاعل، فاقدة للثقة في منظومتها القانونية.

إنّ الأمن لا يقوم على الخوف، بل على الطمأنينة والعدالة. وإذا شعر المواطن بأنّ فعل الخير قد يودي بحياته، فإنه سيتراجع عن أي مبادرة إنسانية، وسينغلق كل بابٍ للتعاون والتكافل الاجتماعي — وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي.

ففي المجتمعات المستقرة، تُعدّ العدالة محورًا للأمن القومي. أما حين يُختزل الأمن في العقوبة، ويُستبدل القانون بالولاء السياسي، فإن الدولة تضع نفسها في مواجهة مجتمعها. الحكم على شخصٍ بريّ بالإعدام، رغم وضوح دوره الإنساني، لا يمكن تفسيره إلا كرسالة تخويفٍ مقصودة، هدفها كسر إرادة المجتمع المدني وإخماد روح المساعدة المتبادلة بين المواطنين.

لكنّ هذه السياسة خطيرة للغاية من زاوية أمنية، لأنها تفكك الروابط الأفقية بين الناس، وتُحوّل الجار إلى خصمٍ محتمل، وتُغذي الشك والريبة في كل علاقة اجتماعية.

منظومة الأمن الحقيقي لا تُبنى على الحديد والنار، بل على الثقة. وحين يفقد المواطن ثقته في المؤسسات، يبدأ في البحث عن بدائل: قبيلة، ميليشيا، أو جماعة مسلحة. وهكذا تتحول الدولة من كيانٍ جامع إلى ساحة تنازعٍ مفتوحة.

إنّ ما حدث للأستاذ بكري منصور لا يهدد حياته فقط، بل يهدد النسيج الاجتماعي والأمن الداخلي لمدينةٍ بأكملها. فكل من كان يعاونه أو يتعامل معه بات يشعر بالخوف، وربما يختار العزلة بدل المشاركة، والسكوت بدل المبادرة. وهنا يولد الفراغ الأمني الذي تتسلل منه الفوضى والانقسامات.

إنّ استخدام “العدالة” كأداةٍ لتصفية الخصوم يزرع بذور الكراهية، ويخلق أجيالًا من الناقمين الذين لا يرون في الدولة سوى مصدر تهديد. هذا المسار هو الطريق الأقصر نحو تفكك المجتمعات، لأنه يحوّل أجهزة العدالة والأمن إلى كياناتٍ منبوذة، ويجعل المواطنين يرون في القانون سيفًا مسلطًا عليهم بدل أن يكون مظلتهم.

ومن زاوية أمنية استراتيجية، فإنّ استمرار مثل هذه الممارسات يؤدي إلى تآكل المناعة الداخلية للمجتمع، إذ تختفي القيم التي تُنتج الأمن الاجتماعي مثل الثقة، والرحمة، والتكافل، وتُستبدل بثقافة الخوف، والانتقام، واللامبالاة. ومتى اختفت الفضيلة من المجال العام، تصبح السيطرة الأمنية مستحيلة مهما بلغت أدوات القمع.

فالقوة وحدها لا تصنع الأمن، بل العدالة التي تجعل الناس يشعرون بأن القانون يحميهم لا يهددهم.

قضية بكري منصور يجب أن تُقرأ إذاً كإنذارٍ أمنيٍ مبكر، يكشف عن خطٍ تصاعدي من الفوضى المقنّعة باسم “الانضباط”. إنها حادثة تمثل نقطة اختبارٍ حقيقية بين منطق الدولة ومنطق الجماعة. الدولة الراشدة تحاكم بالأدلة، أما الجماعة المهووسة فتحاكم بالنوايا. وحين تسود النوايا محل الوقائع، يفقد الأمن معناه، وتتحول العدالة إلى أداة للخراب المنظم.

إنّ واجب الدولة – إن كانت تسعى فعلًا إلى حفظ أمنها واستقرارها – هو حماية الأبرياء لا معاقبتهم، وصيانة القيم التي تُبقي المجتمع متماسكًا لا سحقها تحت عجلات الانتقام. فكل حكمٍ ظالم لا يقتل إنسانًا واحدًا فحسب، بل يقتل شعور الأمان لدى آلاف المواطنين، ويزرع في قلوبهم الرعب من أن المصير نفسه قد يطالهم يومًا.

لقد آن الأوان لإدراك أن سياسات الإرهاب القانوني لا تحمي سلطةً ولا تبقي وطنًا. إنّ الأمن يبدأ من العدل، والعدل لا يقوم إلا على الحقيقة، والحقيقة اليوم واضحة: المحامي بكري منصور بريء، بل وطني مخلص أدى واجبه حين تخلى الآخرون.

وإنّ الحكم عليه بالإعدام لا يعني سوى إعدام آخر معاقل الثقة بين المواطن والدولة، وإشعال شرارة فوضى اجتماعية لن ينجو منها أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!