جمهورية الظل: لماذا لا بد من تفكيك الدولة العميقة كشرط أساسي لبناء السودان الجديد؟
مجدي محمد مصطفى – باحث في قضايا الأمن

“السودان لم يكن يوماً دولة بالمعنى الدستوري، بل جمهورية ظل محكومة بشبكات نفوذ غير رسمية، تتناوبها العساكر والواجهات، وتخترقها العواصم الأجنبية.”
عند الحديث عن السودان، غالباً ما نتداول مصطلحات مثل “الدولة المنهارة”، أو “الفساد الإداري”، أو “الأزمات الدستورية”، لكن القليل منّا يتوقف عند السبب الجذري لكل هذه الأعراض:
أننا لم نمتلك دولة حقيقية
منذ الاستقلال، بل “جمهورية ظل” تدار من وراء المؤسسات، حيث الحكم الحقيقي يتم خارج البرلمان، وخارج النص، وخارج إرادة الناس.
ما هي الدولة العميقة؟ وكيف نشأت في السودان؟
الدولة العميقة (Deep State) هي شبكة موازية من النفوذ داخل أجهزة الحكم، تتحكم في القرار السياسي والأمني والاقتصادي، دون أن تخضع للمساءلة، أو تظهر في واجهات السلطة.
في السودان، نشأت الدولة العميقة في المراحل التالية:
1. من الاستعمار إلى “الورثة”: الإدارة البريطانية وولادة الامتيازات
عند مغادرة المستعمر البريطاني، سلّم جهاز الدولة لمجموعة صغيرة من خريجي كلية غردون وأبناء الختمية والأنصار والقبائل النيلية، دون أن تشمل البنية الإدارية أو الأمنية أبناء الجنوب أو الغرب أو الشرق.
وهكذا، وُلدت “الدولة
السودانية” كهيكل فوقي مغلق، لا يعبر عن الشعب بل عن امتيازات نخبوية موروثة.
2. العسكر والاختراق الأول: انقلاب 1958 وتسييس الدولة
مع انقلاب الفريق إبراهيم عبود، بدأ العسكر في احتكار القرار خارج الدستور، وتم ضرب النقابات والأحزاب المدنية، وأُنشئ جهاز أمني موازٍ يدير الدولة من الخلف، باسم “الحفاظ على الاستقرار”.
3. الإسلاميون والتمكين: جمهورية الأجهزة
في عهد البشير، تحولت الدولة العميقة إلى دولة موازية رسمياً:
كوادر الحزب تتحكم في الوزارات والمصارف والنقابات.
الأمن الاقتصادي يراقب حتى مناقصات الصمغ العربي.
مؤسسات “الدعوة” تسيطر على التعليم والإعلام.
جهاز الأمن يرفع تقاريره مباشرة للرئيس، لا البرلمان.
تم بذلك خنق الدولة الرسمية، وتحويل السودان إلى حقل تجارب لمزيج سام من الإسلام السياسي، والأمن المطلق، والتجارة السرية.
بنية الدولة غير الرسمية: من يُدير السودان فعلياً؟
اليوم، الدولة العميقة في السودان ليست مجرد “أشخاص”، بل شبكات سلطة ومال وأمن وعلاقات خارجية، تتوزع بين:
المؤسسة العسكرية: لا تزال تحتفظ بقدرات استخباراتية واقتصادية هائلة، وتسيطر على عشرات الشركات خارج نطاق وزارة المالية.
شبكات الإسلاميين: تعمل من خلال منظمات المجتمع “الدعوي”، وقنوات التمويل الخارجي (الدوحة، أنقرة، كوالالمبور).
تحالفات القبائل والنخب الطائفية: التي تمارس نفوذها في الإدارات المحلية، وملف الأراضي “مشروع الجزيرة نموذجا”، والتعيينات.
الأجهزة الأمنية والقبلية: التي تتحكم فعلياً في المعابر الحدودية، والذهب، والسلاح، والضرائب غير الرسمية.
الوكلاء الإقليميون: ممثلين لدول مثل مصر، السعودية، تركيا، و إيران يقومون بالتأثير المباشر على قرار السياسي و الامني، أو عبر دعم مجموعات داخلية.
النفوذ الإقليمي: حين تحكم العواصم الأجنبية القرار السوداني
منذ التسعينيات، تم تسليم قرار السودان الاستراتيجي إلى محور من المصالح الإقليمية:
القاهرة تدعم المؤسسة العسكرية وتؤثر على ملفات الأمن المائي واللاجئين.
إيران تدعم التصنيع الحربي الذي يوفر وقود محلي الصنع لاستمرار الحروب في السودان، و تسعي للتمدد عبر السودان إلى الخليج، بالإضافة إلى تهريب المخدّرات و البشر إلى أوروبا.
تركيا تدخلت عبر الاستثمار في الموانئ والأراضي الزراعية، بدوافع أيديولوجية واقتصادية.
قطر استخدمت أدواتها الدعوية لدعم الإسلاميين والطرق الصوفية.
الرياض تستخدم المال والمنح لتثبيت محاور موالية.
النتيجة: دولة تابعة، لا تملك قرارها، ولا تضع مصلحتها فوق مصالح الغير.
لماذا لا يمكن بناء سودان جديد دون تفكيك الدولة العميقة؟
لأن هذه الدولة العميقة هي العدو الخفي، الذي:
1. يعطل الدستور عبر الحكم خارج النص.
2. يُفسد الاقتصاد عبر شركات غير خاضعة للمحاسبة.
3. يفرغ مؤسسات الدولة من معناها، فتبدو الحكومة موجودة، لكنها لا تحكم.
4. يحمي مجرمي الحرب ويمنع أي عدالة انتقالية.
5. يُدخل السودان في حروب مع نفسه أو بالوكالة خدمة
لعواصم أجنبية.
6. الأخطر من ذلك هو قيام الدولة العميقة بالسيطرة على عقول و افئدة قطاعات مهمة من الشعب عبر سياسات الخداع و التضليل و التحريض و طمس الحقائق، و الرشاوي، بالإضافة إلى رعاية الإجرام المنظم و البطش لموقف عجلة التغيير.
خطوات تفكيك جمهورية الظل
الثورة السودانية المجيدة، ثورة ديسمبر وفرت مناخ مناسب لتفكيك جمهورية الظل سلما، و بأقل الخسائر. كانت الخطه المتفق عليها هي:
1. إخضاع الجيش للهيكلة الجذرية و الإصلاح، و شركاته وكل الأجهزة السيادية للمراجعة الشاملة.
2. حل الأجهزة الأمنية التي تعمل خارج القانون، وإنشاء جهاز استخبارات مدني محترف.
3. فتح ملفات التمويل الخارجي والاختراق الإقليمي بشفافية وطنية.
4. تمكين القضاء من التحقيق في جرائم الدولة العميقة منذ 1989 على الأقل.
5. إعادة تعريف مفهوم “الخدمة المدنية” كمهنة وطنية، لا غنيمة حزبية أو قبلية.
نعم كنا أمام فرصة تاريخية؟
و لأول مرة منذ الاستقلال، أصبح تفكيك منظومة السلطة التقليدية بصورة تامة و سلما صار ممكنا.
لكن للاسف تنكر قادة الجيش و نخب المصالح لمشروع الثورة، ما ادي الى إشعال الحرب. فأصبح قدر السودانيين هو ان يتم التغيير بأعلى تكلفة من الدماء و الدموع.
الخلاصة:
السودان لن يتحرر ما لم يتحرر قراره.
ولن تكون هناك دولة جديدة و سودان جديد مستقر، ما لم تُهدم “جمهورية الظل”، ويُعاد بناء الوطن على قاعدة المساءلة، والعدالة، والشفافية، والسيادة.
و هذا ما لا يمكن الوصول اليه قبل بإخضاع الجيش سلما كان أو حربا
17 يوليو 2025




