
في واحدة من أكثر المفارقات والأكاذيب إيلاماً وسخرية، ان تخرج جماعة الهوس الديني في السودان وفلول الحركة الإسلاموية لتتهم الآخرين باستخدام السلاح الكيماوي في معارك الفاشر، آخر معاقل الارهابيين في دارفور. فالجلاد الذي أضرم النيران في جسد الوطن لعقود، يخرج اليوم متباكياً على الإنسانية التي وأدها بيديه وداساها باقدامة، مدعياً أنه ضحية سلاح محرّم. يا للمفارقة والدجل !
اسئلة كثيرة يجب ان يتذكرها الجلادون.. من الذي استخدم الكيماوي في دارفور وجبال النوبة وحتى الخرطوم؟ من الذي أدار آلة القتل والتطهير العرقي وتقسيم البلاد؟ من الذي حوّل السودان إلى مختبر للدمار ومرتزقة الحروب واوكار للارهابيين؟ الأجوبة واضحة للعالم كله، وقد نطقت بها العقوبات الأمريكية التي طالت قادة الجيش السوداني وواجهته السياسية، باعتبارهم مسؤولين عن استخدام أسلحة محرّمة وارتكاب جرائم حرب موثقة. المتهم معلوم، لكن الجلاد لا يطيق مواجهة صورته في المرآة، فيلجأ إلى حيلته الأبدية، التمثيل والتكذب والتضليل ولعب دور المظلوم أمام نشرات الاخبار !
إن هذه الأكاذيب ليست سوى محاولة بائسة لوقف انهيار منظومة الإسلامويين بشكل نهائي، بعد أن هزمتهم الميادين وكشفتهم الذاكرة. فحين تفقد الجماعات الاستبدادية قدرتها على السيطرة بالسلاح، تلجأ إلى خطة اخرى وسلاح أشد خطورة، وهو تزييف الوعي، حيث تملأ الفضاءات ضجيجاً لتخلط بين الجاني والضحية، وبين القاتل ومن يطلب العدالة. لكن وعي السودانيين اليوم لم يعد فريسة سهلة، فقد تكسّر حاجز الخوف، وسقطت الأقنعة. ان الشعوب التى خبرت القهر والفساد والنهب باسم الدين لعقود من الزمان، لم تعد تصدق دموع التماسيح التي تسيل من عيون الجناة والقَتله. معركة الفاشر ليست فقط معركة أرض، بل معركة تغيير سياسي شامل، ومواجهة بين من يريدون إعادة إنتاج دولة الطغيان، ومن يسعون إلى بناء سودان جديد علماني، نقيّ من أدران الماضي، حرّ من وصاية السلاح والدين الزائف !
ان الحل في السودان اليوم لا يكون بالسكوت أو بالتسويات السياسية المائعة، بل بإنشاء عدالة انتقالية حقيقية لا تعرف المحاباة، تُسائل الجميع بلا استثناء، وتضع حداً لثقافة الإفلات من العقاب التي أنجبت كل هذا الخراب والظلم. فالسكوت على الأكاذيب هو تمهيد لجرائم جديدة اشد بطشاً، والصمت على التضليل هو مشاركة حقيقة في صناعته !
ان كيماوي الفاشر ليست سوى كذبة إضافية في سجل طويل من التزييف والتضليل الاعلامي الذي تميزت به هذه الحرب، لكن هذه الكذبة ولدت ميتة. فالتاريخ كتب سلفاً من هم القَتله ومن هو الضحايا، ومن الذي حوّل الدين إلى غطاء للدم والعنصرية، والوطن إلى غنيمة. وإن كان للجلاد أن يتحدث اليوم، فليس ليبرّئ نفسه عن جرائم تاريخية ارتكبها بحق الشعوب السودانية، بل ليواجه العدالة الجنائية التي تقترب، خطوة بعد خطوة، مهما طال الطريق، فإن العدالة لا تفرق بين عبد الفتاح البرهان وعلي كوشيب !




