
بعد عقدين من الانتظار، تحقق أحد أكثر مطالب الضحايا إلحاحاً في البلاد، حيث أدانت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي يوم امس القائد الميداني لمليشيا الدفاع الشعبي ومساعد الجيش السوداني علي كوشيب بـ (27) تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور على يده. لكل امانه فقد مثل صدور الحكم لحظة تاريخية وأول انتصار حقيقي للعدالة الدولية في مواجهة نظام مُستبد حكم بالنار والحديد، ونفّذ أفظع الانتهاكات بحق شعوبه تحت غطاء من الشعارات الدينية والسياسية.
أهمية هذا الحكم لا تكمن في تفاصيله القانونية فحسب، بل في رمزيته السياسية والأخلاقية. حيث تعبر إدانة كوشيب عن إدانة ضمنية للنظام الذي صنعه واستخدمة لصالحه، نظام الإبادة الجماعية الذي حوّل اقليم دارفور إلى مسرح مفتوح للفوضى والعنف القبلي، وأطلق استخبارته العسكرية لتكوين الملايش وتنفذ أوامر الحرق والقتل الجماعي باسم (حماية الدولة).. فاليوم تسقط رواية الإنكار التي حاول بها رموز منظومة الاسلام السياسي تبرير المأساة باعتبارها صراعاً (قبلياً)، بينما ادرك العالم اخيراً أن ما جرى كان جريمة دولة مكتملة الأركان.!
إن العدالة التي بدأت بإدانة كوشيب لا تكتمل إلا بمثول بقية كبار المجرمين أمام المحكمة، على رأسهم المخلوع البشير وأحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين، الذين أصدروا الأوامر وشرعنوا الجريمة وخططوا لها عبر اجهزة الدولة. فهؤلاء ليسوا مجرد شركاء سياسيين، بل مهندسو الإبادة الذين استخدموا الدين والسلطة لتبرير القتل، ومَن دون محاسبتهم تبقى العدالة ناقصة، وغير منصفة للضحايا.
لقد صدر الحكم استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 1593، الذي أحال ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية. ورغم رفض البشير لذلك القرار وتعهدِه بعدم تسليم أي متهم للمثول امام محكمة لاهاي، فإن الواقع أثبت أن إرادة العدالة أقوى من عناد الطغاة، وأن الإفلات من العقاب ليس قدراً محتوماً واحتماء بالسلطة. فزمن الحصانات انتهى، والعالم بات أكثر وعياً بأن الاستقرار السياسي لا يُبنى على طمس الجرائم أو مقايضة الحقيقة بالمصالحة الشكلية.
ان العدالة الانتقالية التي يطالب بها السودانيون مراراً ليست رفاهية سياسية، هي حجر الأساس في مشروع بناء الدولة الجديدة. فمن دون محاسبة ومخاطبة حقيقية لكل المظالم، لن تقوم مصالحة عادلة ولا سلام دائم في البلاد. وان التجارب في القارة الإفريقية تُثبت أن المجتمعات لا تتعافى من الأمراض إلا حين تنظف جراحها بشجاعة، لا حين تغطيها بشعارات العفو والمسامحة التي لم تعد تقنع أحداً من الذين حاقهم جور السلطان وظلم الحاكم.
وإن كانت إدانة علي كوشيب تمثل الحلقة الأولى في طريق العدالة الناجزة، فإن اكتمالها لن يتحقق إلا حين يُقاد كبار المجرمون إلى لاهاي، وفي مقدمتهم عمر البشير واحمد هارون الذين يجب أن يواجهوا العالم بجرائمهم كما واجهوا الشعوب ببطشهم. إن مثول هؤلاء أمام العدالة ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل واجب وطني وأخلاقي لتطهير ذاكرة الشعوب السودانية من صور الإبادة الجماعية، وإغلاق صفحة سوداء لا يجوز أن تُطوى قبل (القصاص). فالعدالة التي بدأت متأخرة، لا بد أن تُختتم كامله ولا إفلات من العقاب مهما طال الزمن.




