
فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا
يشكّل استخدام النساء والأطفال كدروع بشرية أحد أكثر مظاهر الانتهاكات الحربية قسوة وتشويهًا للفطرة الإنسانية، وهو سلوك يعبّر عن انهيار أخلاقي كامل قبل أن يكون تجسيدًا لفشل عسكري. فهذا الفعل لا يكشف فقط عن عجز القوة التي تمارسه، بل يعكس انهيار منظومة القيم والانضباط وغياب احترام الحياة البشرية، خاصة حين تُستخدم الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع أداة حماية غير مشروعة ودرعًا لنجاة القادة. هذه الجريمة التي أدانها القانون الدولي الإنساني بكل وضوح، وأكدت اتفاقيات جنيف على حظرها بشكل قاطع، تعود لتظهر في مشهد بابنوسة، حيث تكرّر سلوك قادة الفرقة 22 بصورة صادمة حين أصدروا توجيهات مباشرة بمنع خروج أسر المقاتلين من محيط الفرقة كمنطقة الاشتباك، متجاهلين النداءات المتتالية التي وجهتها قوات الدعم السريع بفصل المدنيين عن مسرح العمليات وفتح الممرات لإخلاء النساء والأطفال.
في الفطرة السليمة، لا يحتاج الإنسان إلى نص قانوني ليعرف أن حماية الطفل والمرأة واجب أخلاقي مطلق، لكن حين تفقد القيادة العسكرية توازنها وتتراجع أمام ضغط الهزيمة، يصبح أسهل قراراتها وأكثرها وحشية هو توريط الأبرياء في دائرة النار. المأساة التي شهدتها بابنوسة لم تكن مجرد نتيجة جانبية للقتال، بل كانت حصيلة قرار واعٍ من قيادة وضعت بقاءها فوق حياة المدنيين، واعتبرت أن خروج الأسر يفتح الباب أمام انهيار المعنويات ويفضح هشاشة خطوطها الدفاعية. لذلك لجأت إلى احتجاز النساء والأطفال داخل المنطقة المحاصرة، ما جعلهم في قلب مرمى النيران المتبادلة، وهو فعل ينتمي بصراحة إلى سجل الجرائم التي لا تسقط أخلاقيًا ولا تاريخيًا مهما تبدلت الظروف.
لقد أدت هذه الممارسات إلى نتائج مأساوية؛ فعدد مقدر من الأطفال والنساء فقدوا حياتهم نتيجة الرصاص الطائش داخل الأحياء السكنية، في وقت كان يمكن فيه إنقاذهم بسهولة لو فُتح واحد من الممرات الآمنة المقترحة. وبدل أن تكون القيادة مسؤولة عن ضمان أمنهم، تحولت إلى طرف يمنعهم من الفرار، ويجبرهم على التواجد في محيط عسكري متوتر، يعيش لحظاته الأخيرة قبل الانهيار. ولأن الأطفال هم الأكثر حساسية للأصوات العالية والمخاطر المفاجئة، فقد عاش آلاف منهم لحظات رعب عميقة، لا لشيء سوى لأن القادة رأوا فيهم أداة لردع الهجوم وتأخير سقوط الفرقة. هذا الرعب الذي اجتاح الأسر المحاصرة لم يُقَسْ بعدد الضحايا فقط، بل بالآثار النفسية التي سترافقهم طويلًا، فالخوف الغريزي الذي زرعته تلك الساعات في وجدان الأطفال لا يمحوه صمت ما بعد المعركة ولا يخفت بسهولة بعد انتهاء القتال.
القانون الدولي الإنساني واضح في هذا الصدد؛ إذ يعتبر استخدام المدنيين كدروع بشرية جريمة حرب مكتملة الأركان، لأنها تمثل خرقًا صارخًا لمبدأي التمييز والتناسب اللذين يحكمان سلوك الأطراف المتحاربة. ويؤكد هذا القانون أن المدنيين يجب ألا يكونوا جزءًا من أي استراتيجية عسكرية، وأن على القوات المتحاربة اتخاذ جميع التدابير الممكنة لحمايتهم من الأخطار. لكن في بابنوسة، حدث العكس تمامًا؛ إذ تحولت الأسر إلى جزء من خطة القادة للهروب أو إطالة المعركة، ولم تُعد لهم أي حماية بالمطلق. فبدل إخراجهم من دائرة النار، جرى إبقاؤهم داخلها، ثم جرت محاولة استخدام وجودهم حجة لعرقلة تقدم القوات المهاجمة، في تكتيك يعكس اليأس أكثر مما يعكس أي تخطيط عسكري حقيقي.
إن أكثر ما يثير الأسى في هذه الممارسات أنها لا تستند إلى أي ضرورة قتالية يمكن فهمها، بل إلى حالة من الانهيار الداخلي التي تجعل القادة يرون في المدنيين آخر الأوراق التي يمكن اللعب بها قبل لحظة السقوط. وهذا السلوك لا يتنافى مع القانون فقط، بل يصطدم مع أبسط بداهات العقل السليم؛ فالقائد الذي يمنع عائلة جندي من مغادرة منطقة القتال، وهو يعلم أن المدينة محاصرة وأن الهجوم واقع لا محالة، لا يدافع عن موقعه بقدر ما يختبئ خلف من يفترض به أن يحميهم. وما حدث في بابنوسة من هروب غير منظم لقادة الصف الأول عند اشتداد الضغط، بينما تُركت أسر المقاتلين تواجه مصيرها وسط تبادل النيران، يؤكد حجم التناقض الأخلاقي بين ادعاء القيادة بالثبات وبين سلوكها عند أول اختبار حقيقي.
لقد كانت ساعات الحصار الأخيرة في بابنوسة كاشفةً على نحو مؤلم؛ فصرخات الأطفال، وهلع الأمهات، ومحاولات البعض الاحتماء داخل المنازل المتصدعة، كلها تعبر عن مأساة كان يمكن تفاديها لو لم تتخذ القيادة قرارًا يعكس حالة من القسوة والانفصال عن الواقع. ومع أن الحروب تفرض ظروفًا مأساوية بطبيعتها، إلا أن استخدام المدنيين كدروع يضيف إلى الحرب طبقة من البشاعة لا يمكن تبريرها، ويحوّل الخسائر من أضرار ملازمة للقتال إلى جرائم تعكس سقوطًا أخلاقيًا قبل السقوط الميداني. وفي كل الحروب، ستظل هذه الممارسات علامة ضعف لا علامة قوة، ودليلًا على نهاية تماسك القيادة أكثر من كونها وسيلة لحماية مواقعها.
هكذا تبقى واقعة بابنوسة مثالًا صارخًا على أن الهروب حين يترافق مع التضحية بالمدنيين لا يحمل معه عار الانكسار العسكري فقط، بل يجلب معه وصمة أخلاقية لا تُمحى. وما حدث هناك سيظل شاهدًا على لحظة اختلط فيها الحساب العسكري بالرعب الإنساني، وتحولت فيها أسر بريئة إلى وقود لمعركة لم يكن ينبغي أن تكون جزءًا منها. وفي النهاية، ستبقى حماية المدنيين معيارًا ثابتًا لقياس شرف الجيوش، وكل قوة تضع النساء والأطفال أمام البنادق بدل أن تضع نفسها، إنما تعلن إفلاسها قبل أن تتلقى هزيمتها.




