الإخوان المتأسلمون وسرقة المنصات: كيف يحوِّل الكيزان جهد الآخرين إلى مجدٍ تنظيمي مزيف؟
مؤيد الأمين

مؤيد الأمين
مقدمة
في كل المجتمعات التي تمرّ بتحولات سياسية مضطربة، يبرز نوع من «الطفيلية السياسية» التي تتغذى على عرق الآخرين، وتبني مجدها على أكتاف من أنجزوا العمل الحقيقي.
وفي السودان، تجلت هذه الظاهرة بشكلٍ متكرر على يد الإخوان المتأسلمين «الكيزان» – الذين لا يتورّعون عن سرقة المشاريع، واختطاف المنصات، وتقديم أنفسهم في مقدمة المشهد وكأنهم أصحاب الفضل والمبادرة.
إنها ليست مجرد ممارسات فردية، بل منهج منظّم في العمل السياسي والدعائي، يهدف إلى السيطرة على الوعي الجمعي وبناء صورة زائفة عن التنظيم بوصفه القوة الفاعلة والوحيدة في المجتمع.
من السرقة المعنوية إلى صناعة الوهم الجماعي
يبدأ المشهد عادةً بمبادرة بسيطة من شبابٍ في منطقةٍ نائية أو بلدةٍ صغيرة؛ مبادرة تُعلي من قيم العمل الجماعي وخدمة المجتمع. ولكن ما إن تنجح، حتى تظهر كوادر التنظيم الإسلامي فجأة لتضع أيديها على المشروع، وتعيد تقديمه تحت لافتة «المؤتمر الوطني» أو واجهات أخرى تابعة له.
يأتي قادتهم في اللحظات الأخيرة، يتصدرون المنصة، ويلتقطون الصور أمام العدسات، ويُسجَّل الحدث باسمهم، بينما يُقصى المنظمون الحقيقيون إلى المقاعد الخلفية.
إنها عملية سطو رمزي مكتملة الأركان، لا تختلف في معناها عن سرقة المال أو الجهد، لأنها تنهب الاعتراف وتلغي حقّ أصحاب العمل في الذاكرة العامة.
*قصة ودالمنسي* : نموذج حي لنهجٍ مكرور
في منطقة ودالمنسي بغرب المناقل، أقام شباب المنطقة حفل تكريم للعقيد ركن أحمد ود المنسي، أحد أبناء المنطقة وبطلها المعروف.
كان الحدث خالصًا لوجه الوفاء والاعتراف بالجميل، ودُعي إليه والي ولاية الجزيرة، وعدد من القيادات المحلية.
لكن ما إن بدأ التنظيم حتى ظهرت الطفيليات المعروفة من كوادر المؤتمر الوطني – أولئك الذين لم يكن لهم أي دور في الإعداد أو التمويل أو التنظيم – فجعلوا من أنفسهم أصحاب المشروع، واستولوا على المنصة بحجة «تنظيم الاحتفال».
تم تهميش الشباب المنظمين، ولم يُمنح أيٌّ منهم فرصة التحدث أو الشكر.
حتى العم الجميل عزالدين يوسف ود الريف – وهو رجل في عقده السابع بذل جهدًا كبيرًا في جمع التبرعات وتنسيق الدعوات – لم يُذكر اسمه ولم يُشكر، ليصبح مثلًا يجسّد القول الشعبي:
> «الخيل تبطرب والشكر لي حماد عفوا الكيزان»
ولم يكتفوا بذلك، بل جلبوا مذيعة من كوادرهم من منطقة بعيدة لتقديم الحفل، رغم وجود كفاءات محلية أفضل منها، فقط لأنها تنتمي للتنظيم.
هكذا تحوّل التكريم الشعبي إلى عرضٍ حزبي باهت، والفرح الجماعي إلى منصة دعاية للتنظيم.
لماذا يسرقون المشاريع؟
1. الرهان على الصورة بدل الفعل
الإخوان المتأسلمون منذ بداياتهم يراهنون على «الصورة» أكثر من الجوهر؛ صورة الحاكم المتدين، المنظم الفاعل، والمنقذ الوطني.
لكن لأنهم عاجزون عن إنتاج مشاريع حقيقية تستمد شرعيتها من الشعب، فإنهم يجدون في «استعراضات المنصات» الطريق الأسهل لصناعة الوهم.
2. الحاجة إلى تجديد الهيبة التنظيمية
بعد فقدانهم ثقة الشارع، يسعى الكيزان إلى أي نشاط شعبي ناجح ليُظهروا أنهم ما زالوا جزءًا من المجتمع.
في كل مناسبة ناجحة، ترى كوادرهم تزحف نحو الضوء بحثًا عن مجدٍ زائف يعيد إحياء صورتهم أمام جمهورٍ بدأ يتململ من أكاذيبهم.
3. تكريس السيطرة على المجال العام
هذه الممارسات ليست صدفة، بل سياسة تهدف إلى إقصاء كل مبادرة لا تمر عبر بواباتهم التنظيمية.
فهم لا يريدون أن ينجح أحد خارج إطارهم، ولا يسمحون لأي فعل جماعي أن يُنسب إلى الشعب أو الشباب أو القوى المدنية.
ببساطة: يريدون أن تكون كل المبادرات بإذنهم، وكل الأضواء لهم.
كيف ينفذون عملية السرقة؟
1. الظهور المفاجئ في اللحظات الأخيرة
يدخلون إلى المشهد عندما يكون كل شيء جاهزًا: اللافتات مطبوعة، المنصة قائمة، الدعوات أرسلت.
فيتقدّم أحد كوادرهم معلنًا أن التنظيم «قرر رعاية الحدث»، فيتحول الأمر فورًا إلى مناسبة حزبية.
2. الإقصاء المتعمد لأصحاب الفكرة
يُمنع المنظمون الأصليون من الحديث أو حتى من الظهور على المنصة.
يُقال لهم «أنتم أبناؤنا ونحن سنقدّمكم»، لكن ما يحدث فعليًا هو طمس أسمائهم من كل السجلات الإعلامية.
3. استدعاء الكوادر التنظيمية
بدلًا من اختيار المبدعين المحليين، يجلبون مقدمين ومذيعين من مناطق بعيدة، فقط لأنهم منتمون إلى التنظيم.
يُستبدَل الكفاءة بالولاء، والمواهب بالبطاقات الحزبية.
4. التلاعب بالإعلام
بعد الفعالية، يُصدرون بيانًا صحفيًا يحمل شعارهم وصور كوادرهم في المقدمة.
تنتشر الأخبار في الصحف والصفحات التابعة لهم وكأنهم أصحاب الفكرة، بينما لا يُذكر المنظمون الحقيقيون في أي سطر.
الأثر المدمر على المجتمع
1. قتل روح المبادرة
حين يرى الشباب أن جهدهم يُسرق، يفقدون الحافز للمحاولة مرة أخرى.
يتحوّل العمل الطوعي إلى مجال إحباط لا إلى مصدر إلهام، ويُصاب المجتمع بشللٍ أخلاقي يوقف عجلة التطوع.
2. تكريس ثقافة التبعية
حين يُكافأ الانتماء بدل الكفاءة، يتعلم الناس أن الطريق للنجاح لا يمر عبر الإبداع بل عبر الولاء، فينشأ جيلٌ يائس لا يؤمن بالعمل المستقل.
3. تشويه معنى الوطنية
يتم استبدال مفهوم «العمل للوطن» بـ«العمل للتنظيم».
كل من يخدم الناس خارج إطار الحزب يُعتبر خصمًا يجب محاصرته أو ابتلاعه.
4. هيمنة الرواية الزائفة
حين تتحكم هذه الجماعات في الإعلام، تعيد كتابة التاريخ على مقاسها.
فالمشاريع الوطنية تُنسب إليها، والمبادرات المدنية تُختزل في شعاراتها، لتبدو وكأنها صاحبة كل إنجاز، في حين أنها لم تقدّم سوى «المسرح».
كيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة؟
1. التوثيق المسبق والمباشر
يجب على أي مجموعة تطوعية أو مبادرة أن توثق أعمالها لحظة بلحظة: صور، فيديوهات، بيانات رسمية، لتُقطع الطريق على من يحاول سرقة الجهد لاحقًا
2. كشف الحقائق في الإعلام المستقل
من الضروري التعاون مع الصحفيين والمنصات المستقلة لنشر الرواية الحقيقية، وإظهار أصحاب المبادرة في الواجهة.
3. بناء وعي مجتمعي جديد
على الناس أن يدركوا أن العمل العام ليس ملكًا لأحد، وأن المبادرات الشعبية هي روح الأمة، لا امتياز تنظيمي لأحد.
4. تعزيز قيم الاعتراف والشكر
المجتمع الذي لا يعترف بجهد أفراده، يفتح الباب للطفيليات لتسرق النجاح.
لذلك، فإن ثقافة «الشكر» و«الإشادة» يجب أن تكون قيمة ثابتة تُمارس بعد كل إنجاز.
خاتمة: سرقة الضوء أخطر من سرقة المال
إن أخطر ما يفعله الإخوان المتأسلمون ليس سرقة الأموال العامة فحسب، بل سرقة الضوء والاعتراف.
فحين يُمحى اسم المنظم الحقيقي من الذاكرة، وحين يُنسب الإنجاز إلى من لم يشارك فيه، تُصاب روح الوطن بالخذلان.
هذه السرقات الرمزية هي التي تُضعف ثقة الناس في العمل الجماعي، وتحوّل الفعل العام إلى مسرح سياسي مبتذل.
وحتى تُستعاد قيم النزاهة، لا بد أن يقف المجتمع صفًا واحدًا في وجه هذه الممارسات؛ أن يُعيد الاعتبار لأصحاب الفعل لا لأصحاب الشعارات، وللمخلصين لا للمستعرضين.
فالكيزان، كما أثبتت الوقائع، لا يتقدّمون إلا حين يتعب الآخرون، ولا يظهرون إلا حين يجهز المسرح لهم.
لكن الشعوب، مهما خُدعت مؤقتًا، لن تمنح المجد لمن سرق النور من أيديها.




