
سمية النور دهب
شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن جولة مفاوضات غير مباشرة بين وفدي الجيش والدعم السريع، برعاية الإدارة الأمريكية، حول الورقة التفاوضية التي طرحتها واشنطن، والتي تهدف إلى الوصول إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، وفتح مسارات لتقديم المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى تشكيل لجان لإعادة الإعمار.
لكن الجولة انتهت إلى فشل ذريع في تحقيق أي توافق، وكشفت عن الانقسام العميق في مواقف الطرفين، واختلاف مقاربتهم للملف السوداني برمته.
مصدر مطلع من الوفود المشاركة أشار إلى أن الجيش رفض التوقيع على وثيقة المبادئ الأولية للهدنة الإنسانية، مبررًا موقفه بعدم الاعتراف بالدعم السريع كطرف تفاوضي، وهو ما يكشف أن قراراته لا تُتخذ إلا بتوجيه مباشر من عناصر إسلامية مسيطرة على قيادته، ما يجعله عاجزًا عن اتخاذ موقف مستقل في لحظة تاريخية حساسة.
على النقيض، أبدى وفد الدعم السريع انضباطًا واضحًا ومسؤولية عالية في التعاطي مع المفاوضات، موافقًا على هدنة إنسانية وإيصال المساعدات، ومتمسكًا بالمسار العسكري والسياسي المنظم، مع التأكيد على ضرورة تمثيل تحالف “تأسيس” في الجانب السياسي لضمان استمرارية أي اتفاق مستقبلي.
المفارقة التي طرحتها مصادر مطلعة أن الجيش حاول تمرير صفقة اقتصادية مع الإدارة الأمريكية، تتعلق بتمكينها من المعادن النفيسة والسواحل البحرية مقابل الضغط على الدعم السريع لرفع الحصار عن الفاشر، والتنازل عن المسار السياسي المفضي إلى حكومة مدنية. إلا أن الجانب الأمريكي تجاهل هذه المحاولات، وركز مباشرة على أهداف الهدنة ووقف الحرب، في إطار مقررات اللجنة الرباعية.
كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية أكد التزام الولايات المتحدة بتحقيق السلام، مشيرًا إلى تشكيل لجنة متابعة للاحتياجات العاجلة للسودان، وحرص الرئيس الأمريكي على وقف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية.
لكن التجربة الأخيرة تعكس حقيقة مؤلمة: الجيش، بسبب سيطرة الإسلاميين عليه، يبدو عاجزًا عن اتخاذ أي قرار حقيقي أو مسؤول، في حين أن الدعم السريع يتصرف وفق قواعد أخلاقية وسياسية واضحة، مدركًا حجم المسؤولية الملقاة على كاهله تجاه المدنيين والسلم الاجتماعي.
هذا الانسداد السياسي يوضح أن أي محاولات للوصول إلى هدنة أو تسوية سياسية ستظل محدودة النتائج ما لم يحدث تحول حقيقي في سلوك القيادة العسكرية، وتحررها من التبعية الحزبية الضيقة، لتصبح الدولة قادرة على اتخاذ قرارات وطنية مسؤولة بعيدًا عن الإملاءات.
ختامًا، الواقع السوداني يظهر أن استمرار النزاع لن يكون مجرد أزمة عابرة، بل امتحانًا صارخًا للمسؤولية والقدرة على اتخاذ القرار. في المقابل، الموازنة بين القوة والأخلاق، كما يظهر في سلوك الدعم السريع، قد تكون الطريق الوحيدة لإنقاذ المدنيين وإعادة الثقة إلى مسار السلام، قبل أن تتحول البلاد إلى حقل مفتوح للانقسامات والمعاناة.



