
السودان بين الثورة والدولة: حين يُولد الوطن من ركا
عبد الرحمن أبو رندة
إرادة الشعوب لا يمكن أن تُقهر أو تُهزم أو تُختطف، فالثورات مهما طال مداها تقود الشعوب في نهاية المطاف إلى الانتصار وصياغة تاريخ جديد يهزم الطغاة والمتسلطين شرّ هزيمة، ويمهّد الطريق نحو بناء وطن قائم على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وما يحدث اليوم في السودان ليس سوى مخاض عسير لولادة وطن ظلّ أسيرًا لعصابات البطش، وقلةٍ من النخب التي مارست الهيمنة على الشعوب بأدوات السلطة ومؤسساتها، حتى وجّهت سلاح الشعب نحو صدره، وهو ما درجت عليه الأنظمة الاستبدادية التي تحتكر أدوات العنف لتبقى الشعوب رهائن في قبضة سلطتها القمعية.
لقد ظلّت عملية اختطاف الوطن والشعب جارية منذ ما يُعرف بهتانًا بـ “الدولة الوطنية”، حين تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات لتمكين فئة محدودة، وصار الانتماء للوطن مرهونًا بالولاء للنظام، وتحولت القوانين إلى سياطٍ تكمم الأفواه وتقمع الفكر وتختزل المواطن بين خانتي “الموالي” و”الطابور الخامس”. وهكذا استُبدلت فكرة الدولة الجامعة بدولةٍ ضيقة، تحرس مصالح قلة وتُقصي الأغلبية.
لكن الثورة السودانية، التي اشتعلت شرارتها في ديسمبر وامتدت بأشكالٍ مختلفة حتى ما بعد حرب أبريل 2023م، كانت الزلزال الذي هزّ بنية هذا النظام القديم من الجذور. هذه الحرب القاسية، رغم ما خلّفته من مآسٍ، قد تكون في جوهرها بداية التأسيس الحقيقي للدولة الجديدة؛ دولةٍ تقوم على المواطنة، وسيادة حكم القانون، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية. فالتاريخ الإنساني يُعلّمنا أن الأمم العظيمة وُلدت من رحم الألم، وأن أوروبا نفسها لم تبلغ الاستقرار إلا بعد أن خاضت حروبًا مدمرة انتهت إلى بناء نظمٍ ديمقراطية راسخة تقوم على الشفافية والمساءلة والحقوق.
ما يواجهه السودان اليوم هو صراع بين شرعيات تآكلت وبين إرادة شعبية تسعى لتأسيس دولة جديدة. هناك قوى لا تزال أسيرة الماضي، تظن أن من حقها احتكار الحكم لأنها ارتبطت به تاريخيًا، وهي لا تدرك أن تلك المعادلة القديمة قد سقطت وأن روح الثورة لن تسمح بعودة الاستبداد. فالشعوب التي كسرت حاجز الخوف قادرة على أن تبني نظامًا مدنيًا خلاقًا يدير التنوع والاختلاف ويحوّلهما إلى طاقة بناء لا معول هدم.
ورغم عمق الانقسامات الاجتماعية وتعقيدات خطاب الكراهية والعنصرية، فإن الأمل لا يزال قائمًا. فالمجتمع السوداني، بتنوعه وتاريخه الطويل في التعايش، يملك من المقومات والفرص ما يؤهله لصناعة مشروع وطني جديد يتجاوز التشوهات التي صاحبت الدولة القديمة. المطلوب فقط أن نُفكر خارج الصندوق، وأن نتحرر من عقلية النخب القديمة ومن ذهنية الامتياز التاريخي، لنؤسس وطنًا جديدًا يتسع للجميع دون إقصاء أو تمييز.
إن الثورة السودانية لم تكن حدثًا عابرًا، بل هي عملية تحول تاريخي عميقة، وما بين الثورة والدولة مساحة من الصبر والعمل والوعي. فالوطن يُولد من رحم النار، لكنه لا يعيش إلا بإرادة أبنائه وإيمانهم بأن السودان يستحق حياة تليق بعظمته وتاريخه.




