
نجم الدين دريسة
من أخطر ما يواجه مشروع تأسيس الدولة السودانية اليوم ليس شُح الموارد ولا محدودية الإمكانيات، بل غياب إعمال العقل وهيمنة التفكير العاطفي الرغائبي الذي يميل إلى السهل والمألوف اجتماعيًا، ويُقصي النقد ويُجرّم التفكير الحرّ. هذا النمط من الوعي المأزوم يجعل أي مشروع وطني عرضة للتآكل من الداخل، لأن العاطفة حين تتقدّم على العقل تُحوّل الطموحات الكبرى إلى شعارات فارغة لا تصمد أمام الواقع.
تتمثّل المعضلة في أن كثيرًا من مجتمعات العالم الثالث — ومنها السودان — لا تزال تؤمن بفكرة “الرجل الخارق” القادر وحده على صناعة المعجزات وقيادة التغيير. فبدل أن تُبنى الدولة على مؤسسات راسخة وعقل جمعي نقدي، تُختزل النهضة في شخصٍ يُمجَّد بلا مساءلة، وتُختصر المسؤولية الوطنية في الولاء الفردي لا في الالتزام بالقانون والمبدأ. وهكذا تُكرَّس أنماط من الزعامة تُعادي النقد، وتتعامل مع المراجعة كعداءٍ سافر، ومع الاختلاف كخيانةٍ لقضية الأمة.
إن أخطر ما يمكن أن يُصيب مشروع التأسيس هو ضمور العقل المؤسسي، وتحويل الدولة إلى امتداد للعشيرة أو الحزب أو المجموعة الصغيرة. فحين يغيب التفكير العلمي ويُستبدل بالعقل الوجداني أو القبلي، تفقد الدولة قدرتها على التخطيط والإدارة، وتتحول مؤسساتها إلى واجهات شكلية لا تصنع التغيير بل تُعيد إنتاج الفشل.
لقد آن الأوان لنعترف أن بناء الدولة الحديثة يبدأ من تحرير العقل من هيمنة العاطفة والرموز، ومن إعادة الاعتبار للفكر النقدي القادر على مساءلة السلوك قبل تقديسه. فالمجتمعات التي تكره النقد وتحارب المفكرين، إنما تُؤجل سقوطها لا أكثر، لأنها تقتل أدوات التصحيح والمراجعة التي تضمن لها البقاء.
الدولة التي نريدها ليست دولة الأشخاص بل دولة المؤسسات، لا تحكمها القرابة ولا تهيمن عليها العشيرة، بل تُدار بالكفاءة والمساءلة. فالمواطنة هي الانتماء الأعلى، والعقل هو الأداة الأسمى في معركة التأسيس.
إن تحرير الوعي من سطوة العشائرية وثقافة التمجيد ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. فالمجتمع الذي يقدّس الأفراد على حساب المبادئ، والعقل الذي يختبئ خلف العاطفة، كلاهما لا يستطيع بناء وطنٍ يليق بكرامة الإنسان السوداني.
فليكن التأسيس بداية ثورة عقلانية حقيقية، تُعيد للعقل مكانته، وللمؤسسة دورها، وللإنسان قيمته. عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا حقًا مشروع الدولة السودانية الحديثة.




