
أبو عبدالله الراشدي
الفيديو الذي انتشر مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يوثّق شهادات عدد من نساء جنوب السودان حول ما تعرّضن له من خداع وإهانة وترحيل قسري من العاصمة السودانية بمدنها الثلاث: الخرطوم وأم درمان وبحري، ليس مجرد حادثٍ عابر أو واقعة إنسانية مؤلمة فحسب، بل هو مرآة كاشفة لبنية السلطة المركزية المتمركزة في بورتسودان، تلك السلطة التي بلغت ذروة انحدارها الأخلاقي والسياسي في تعاملها مع البشر، سواء كانوا من أبناء السودان أو من الشعوب المجاورة التي جمعتها بهذا الوطن قرون من التاريخ والمصير المشترك.
في الشهادات المؤلمة التي وثقها الفيديو، تتجلى تفاصيل تقشعرّ لها الأبدان: ترحيل جماعي بأساليب خادعة، إذ أوهمت السلطات النساء بضرورة “توفيق أوضاعهن”، ثم استدرجتهن إلى مراكز الإبعاد حيث تم تهجيرهن قسرياً نحو الجنوب. نساءٌ جُرّدن من أبسط حقوقهن، حُرمن حتى من أطفالهنّ الرضّع الذين تُرك بعضهم في العاصمة، بينما وُضع آخرون في شاحنات متجهة جنوباً بلا أهلٍ ولا سند.
وتكشف هذه الوقائع الوجه الحقيقي لسلطة بورتسودان التي تدير البلاد بعقلية القهر والتسلط، وتعيد إنتاج أسوأ ما في الدولة المركزية من استعلاء وتمييز. فالسلطة التي تقتل أبناء السودان اليوم تحت القصف، وتُصفي مواطنيها بذريعة “الوجوه الغريبة”، هي ذاتها التي لم تتورع عن إذلال نساء الجنوب، وكأنها تنتقم من الشعب السوداني بأكمله عبر كل أشكال الانتهاك والإذلال.
لقد فصلت هذه الدولة المركزية جنوب السودان بالأمس، ثم ما لبثت أن أبقت على روح الوصاية والاستعباد حية في سياساتها. وبدلاً من طي صفحة الماضي، أعادت إنتاج ذات الخطاب العنصري الذي قاد إلى الانفصال. وما يحدث اليوم في الخرطوم ومدنها ليس إلا امتداداً لذلك المشروع الإقصائي القديم الذي يرفض الاعتراف بالآخر أو احترام إنسانيته.
إن ما جرى لا يمسّ نساء الجنوب وحدهنّ، بل يمسّ ضمير الأمة السودانية بأكملها. فحين تُهان امرأة في وطنٍ واحد، يُهان فيه الجميع. وحين يُرحّل طفل دون أسرته، تُرحّل معه قيم الرحمة والعدالة والإنسانية.
ولأن هذه السلطة التي تسوم الشعوب السودانية كل أنواع الويل والعذاب والانتهاكات قد بلغت أقصى درجات سقوطها الأخلاقي، فإنها يجب أن تمضي غير مأسوفٍ عليها. فهي ليست سوى سلطة وكلاء المستعمر، الذين أعادوا إنتاج القهر بأدوات جديدة وأسماء مختلفة. وما لم تُطوَ صفحتها تماماً، سيظل السودان أسيراً لدولة القهر والعنصرية والوصاية التي فصلت الجنوب بالأمس، وتفصل اليوم الإنسان عن إنسانيته.




