الضريبة في زمن الحرب من منطق التحصيل إلى منطق الدولة : قراءة في إشكالات الإيرادات بمناطق حكومة السلام
د. دقاش حسب الله دقاش

د. دقاش حسب الله دقاش
في الأوضاع الطبيعية تمثل الضريبة أداة مركزية لتمويل الخدمات العامة وتحقيق العدالة في توزيع الأعباء بين المواطنين. لكن في ظروف الحرب والانقسام تتحول الضريبة من مسألة فنية وإدارية إلى سؤال سياسي واجتماعي جوهري يتعلق بطبيعة السلطة وحدودها وعلاقتها بالمجتمع وبقدرتها على تقديم مقابل لما تفرضه. وفي المناطق الخاضعة لسلطة حكومة السلام يبرز هذا السؤال اليوم مع تزايد الحديث عن ضرورة توسيع مصادر الإيرادات وإدخال قطاعات جديدة في دائرة الالتزام المالي في ظل انهيار الموارد المركزية واتساع فجوة تمويل الخدمات الأساسية.
وقبل مناقشة الجدوى والتوقيت لابد من توضيح خلط شائع يرافق هذا النقاش وهو الخلط بين مفهوم توسيع المظلة الضريبية وبين رفع المعدلات أو إضافة أعباء جديدة. فالتوسيع الحقي لا يعني الضغط على نفس الفئات التي تدفع أصلاً وإنما يعني إدخال أنشطة اقتصادية كبيرة ظلت تعمل خارج النظام الرسمي ومعالجة الإعفاءات غير المبررة ومحاربة التهرب والغش وتنظيم التجارة عبر الحدود وتوحيد الرسوم المشتتة في وعاء واحد واضح وقابل للمراجعة. أما رفع النسبة على القاعدة الضيقة الحالية فهو ليس توسيعاً للمظلة بل توسيع لنطاق الجباية. وهذا هو الفارق الذي يحدد هل نحن أمام سياسة إصلاحية تهدف لبناء الدولة أم أمام محاولة لتعظيم التحصيل بأي وسيلة دون النظر إلى العواقب الاقتصادية والاجتماعية.
إن بيئة الحرب تفرض معطيات مختلفة تماماً عن بيئة الاستقرار. فالقدرة على الدفع تضعف والمعلومات عن حجم النشاط الاقتصادي تصبح ناقصة ومشوشة والأسواق تتجزأ ويتداخل فيها النشاط الرسمي مع غير الرسمي وتكثر نقاط التحصيل عند الطرق والأسواق والمعابر وتتعدد الجهات التي تطلب أموالاً بعناوين مختلفة. وفي ظل هذه الصورة لا يمكن استيراد قوانين وإجراءات صممت لاقتصاد مستقر وتطبيقها كما هي. كما أن تراجع الإيرادات القومية وارتفاع معدلات التضخم واتساع رقعة الفقر يضيق بشكل كبير المساحة المتاحة لفرض أعباء جديدة خاصة على الاستهلاك والدخول الضعيفة.
الضريبة في جوهرها مبلغ تفرضه السلطة العامة على الأفراد والشركات دون مقابل مباشر بهدف تمويل الإنفاق العام وهي تختلف عن الرسوم المرتبطة بخدمة محددة وعن الزكاة ذات المصارف المحددة شرعاً. ولكي تنجح الضريبة في بيئة هشة يجب أن تستند إلى أربعة مبادئ أساسية: أولها العدالة في توزيع العبء. وثانيها اليقين القانوني بحيث يكون المكلف على علم مسبق بما عليه وكيف يحاسب وكيف يتظلم. وثالثها ملاءمة توقيت التحصيل مع دورة النشاط الاقتصادي. ورابعها خفض كلفة الجمع إلى الحد الأدنى.
وفي المرحلة الحالية يمكن التركيز على أربعة مسارات فقط تتناسب مع الواقع المتاح. المسار الأول يتمثل في الضرائب المباشرة على أرباح الشركات الكبيرة والدخل المرتفع والعقارات التجارية. والمسار الثاني في الضرائب غير المباشرة المنظمة التي تستهدف السلع الكمالية ورسوم العبور الموحدة التي تحل محل الجبايات المتعددة. والمسار الثالث في الإيرادات المحلية التي تمول بها المحليات خدماتها المباشرة مثل الأسواق والنظافة وتراخيص العمل. والمسار الرابع في الضرائب القطاعية التي تستهدف أنشطة واضحة وسهلة الضبط مثل شركات الاتصال والتعدين الأهلي والوقود.
للنظام الضريبي في مناطق ما بعد النزاع وجهان لا يمكن فصلهما. الوجه الأول إيجابي ويتمثل في تمويل أجور المعلمين والأطباء وتشغيل المستشفيات والمدارس وصيانة الطرق وفي بناء الثقة بين المواطن والدولة عندما يرى عائداً ملموساً لما دفعه وفي تقليل الاعتماد على الإغاثة الخارجية واستخدام الإعفاءات كأداة لتشجيع الإنتاج. أما الوجه الثاني فهو سلبي ويظهر بوضوح عند تعدد جهات التحصيل بلا تنسيق وعند شيوع التقدير الجزافي الذي يدفع برؤوس الأموال للهروب وعند غياب الأنظمة الإلكترونية الذي يفتح الباب أمام الفساد وعند تحميل السلع الأساسية بأعباء إضافية تزيد من معاناة الأسر..
التشخيص الميداني الحالي يكشف عن إشكالات بنيوية تعيق أي محاولة للإصلاح. أولها غياب إطار قانوني موحد يحدد الوعاء والنسب وآليات التظلم وما يجري الآن هو الاعتماد على قوانين موروثة واجتهادات محلية متفرقة. ثانيها ازدواجية الجباية حيث يدفع التاجر والمنتج في المعبر وفي السوق وفي شكل مساهمات مما يخلق حالة احتقان واسعة. ثالثها ضيق القاعدة الضريبية بسبب هيمنة النشاط غير المنظم في الزراعة والتجارة الحدودية والتعدين الأهلي. رابعها ضعف البنية التقنية والبشرية التي تجعل التحصيل يدوياً وورقياً وسهل التلاعب. خامسها غياب العائد المرئي وهو الأخطر فالناس تدفع ولا تجد طريقاً معبداً ولا دواء متوفراً ولا تعليماً جيداً وهذا يقتل الدافع الطوعي للالتزام ويحول الضريبة في نظر الناس إلى إتاوة.
ويظل سؤال من نبدأ به سؤالاً مفصلياً في أي سياسة ضريبية. فالأجهزة ذات الإمكانيات المحدودة تميل بطبيعتها إلى استهداف الأنشطة الصغيرة والظاهرة مثل صاحب الدكان والبائعة المتجولة وسائق المركبة لأن الوصول إليها أسهل. لكن ذلك ليس معيار عدالة ولا كفاءة. فالمنطق السليم يقضي بالبدء بالأنشطة الكبيرة والشركات والقطاعات المستفيدة من الموارد العامة ومن حركة التجارة المنظمة عبر الحدود. أما الأنشطة الصغيرة فيمكن تسجيلها تدريجياً ومعاملتها بنظام مبسط أو إعفائها مؤقتاً بدل إغراقها برسوم متعددة تجهز على ما تبقى منها.
وتمثل التجارة عبر الحدود المحك العملي الأهم لنجاح أي محاولة لتوسيع الإيرادات. فالإقليم مرتبط بدول الجوار بحركة سلع ومواشي وموارد وتعطل النظام المصرفي الرسمي دفع بجزء كبير من هذه الحركة إلى العمل خارج القانون. الحل هنا لا يكون بزيادة الرسوم أو بإغلاق المعابر بل يكون بالتفريق بين التجارة المعيشية البسيطة وبين شبكات تهريب السلع ذات القيمة العالية وفتح منافذ قانونية بإجراءات مبسطة وإيصال موحد وسحب جزء من هذا النشاط إلى داخل الإطار القانوني بدل دفعه بعيداً.
وحتى لا تتحول الضريبة من أداة لبناء الدولة إلى أداة جباية لابد من توفير ضمانات واضحة. تبدأ بإعلان انتقالي يحدد ما الذي سيعمل به من القوانين القديمة وما الذي سيلغى وما الذي سيعدل. ثم توحيد جهة التحصيل والحساب البنكي الذي تودع فيه الأموال واستخدام إيصالات مرقمة ومعروفة وقابلة للتحقق. ثم منع أي تحصيل خارج القنوات الرسمية. ثم توزيع واضح للاختصاصات بين المستوى المركزي والإقليمي والمحلي حتى لا يخضع المكلف لأكثر من جهة. ثم إعفاء مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي من الرسوم لتشجيع الإنتاج المحلي. وأخيراً نشر تقارير دورية مبسطة عن حجم التحصيل وأوجه الإنفاق. فالشفافية هنا ليست ترفاً إدارياً بل هي الأساس الذي يقنع المواطن بالدخول في النظام والالتزام به.
وبناء على ذلك يمكن رسم خارطة طريق واقعية للمرحلة الحالية. تبدأ بإصدار قانون مؤقت يحدد أربعة أنواع من الضرائب فقط ويلغي كل الجبايات الأخرى بقرار سيادي. ثم اعتماد مبدأ الضريبة مقابل الخدمة بتخصيص نسبة كبيرة من إيرادات كل منطقة لمشاريعها المباشرة حتى يشعر المواطن بالنتيجة. ثم الشروع في رقمنة مبسطة تعتمد على سجل إلكتروني وإيصالات مرقمة ونشر شهري للبيانات. ثم منح إعفاءات مؤقتة للمشاريع الزراعية الصغيرة والصناعات التحويلية وإعفاء الغذاء والدواء من الضرائب غير المباشرة. ثم تكوين مجلس تشاوري يضم التجار والمنتجين للمشاركة في وضع السياسة ومراقبة التنفيذ. ثم تأهيل الكوادر الضريبية وتدريبها على القانون وحسن المعاملة وربط الحوافز بحجم التحصيل العام لا بالمبلغ الذي يتم انتزاعه من الفرد.
أن الحرب لا تلغي الحاجة إلى سياسة ضريبية لكنها تفرض ترتيباً جديداً للأولويات. فالمطلوب الآن ليس جمع أكبر مبلغ ممكن بأي ثمن وإنما تأسيس علاقة مالية جديدة تقوم على قانون معلوم وتوزيع عادل للعبء وتحصيل يمكن تتبعه وإنفاق يمكن محاسبته. فإذا نجحت السلطة في توحيد الرسوم وإدخال الأنشطة الكبيرة والموارد والتجارة المنظمة في الإطار القانوني وحماية الصغار من الازدواج ونشرت الأرقام بشفافية فعندها فقط يمكن القول إننا أمام توسيع حقيقي للمظلة الضريبية. أما إذا بقي الأمر مجرد إضافة طبقة تحصيل جديدة فوق طبقات قائمة فسنكون أمام توسيع لمساحة الجباية لا لبناء الدولة.
إن بناء الدولة يبدأ بعقد مالي واضح بين السلطة والمواطن والضريبة هي أول اختبار لهذا العقد.




