رأي

د. النور حمد.. المثقف الذي واجه الهيمنة بالفكر

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

يزخر السودان بعقول نيّرة وأسماء لامعة في مجالات الفكر والسياسة والأكاديميا، غير أن القليل منهم استطاع أن يجمع بين هذه الحقول الثلاثة بانسجام واتزان ووعيٍ نقديّ عميق. ويأتي الدكتور النور حمد في طليعة هؤلاء، نموذجاً حقيقياً للمثقف العضوي الذي لا يكتفي بالتنظير، بل ينخرط في قضايا وطنه وشعبه بصدق ومسؤولية فكرية عالية.

يتميّز الدكتور النور حمد بذكاءٍ اجتماعي نادر وقدرة فائقة على التواصل الراقي والتعامل المتواضع، وهو ما جعله محل احترام في الأوساط الأكاديمية والسياسية على السواء. فقد قدّم عبر مسيرته إسهامات فكرية عميقة، ورفد المشهد الثقافي والسياسي السوداني بسلسلة من الأطروحات والرؤى النقدية التي تستحق الوقوف عندها، لما تحمله من جرأة فكرية واتساق منهجي وصدقٍ معرفي.

ومن بين أعماله اللافتة، يأتي كتابه الأخير “الهيمنة المصرية على السودان: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع”، الذي يُعد علامة فارقة في الخطاب النقدي السوداني المعاصر. فالكتاب لا يكتفي بطرح الموقف التقليدي من العلاقات بين السودان ومصر، بل يتجاوز ذلك نحو تفكيك بنية الهيمنة التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي مارستها الدولة المصرية على السودان منذ ما قبل الاستقلال وحتى اليوم.

يرى النور حمد، في تحليل رصين، أن جذور الأزمة السودانية لا تنفصل عن هذا الإرث من الوصاية غير المعلنة، إذ ما تزال مصر ـ رغم تغير الأنظمة ـ تنظر إلى السودان بعين الاستعلاء وتتعامل معه كحديقة خلفية أو منطقة نفوذ لا كشريك ندّي. وبهذا المعنى، يوجّه الكاتب دعوة صريحة إلى تحرير الوعي السوداني من ربقة التبعية، وبناء علاقة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بين دولتين مستقلتين وشعبين متكافئين في الكرامة والسيادة.

إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في عمق تحليله التاريخي والسياسي، بل في راهنيته أيضاً، إذ يأتي في وقتٍ يشهد فيه السودان حرباً مدمّرة وتدخلاً إقليمياً كثيفاً، لتغدو أطروحات النور حمد بمثابة نداء وطني مستعجل لإعادة النظر في مفهوم السيادة والاستقلال، وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس العدالة والمواطنة والمصالح الوطنية الخالصة.

إن د. النور حمد بهذا الجهد الفكري الكبير يبرهن أن المثقف السوداني قادر على أن يواجه الهيمنة لا بالسلاح ولا بالشعارات، بل بالفكر والتحليل النقدي العميق. وهو بذلك يقدّم نموذجاً نادراً للمثقف المسؤول الذي يُنير الطريق أمام الأجيال الجديدة لتعيد تعريف العلاقة مع الذات ومع الآخر في آنٍ واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!