رأي

إقتلاع الكيزان هو السبيل لتأسيس دولة المواطنة

أبو عبدالله الراشدي

 

أبو عبدالله الراشدي

لم يعد ممكناً التهادن أو المساومة مع من أشعلوا نيران الحرب ليعيدوا إنتاج حكم استبدادي قائم على الدين والولاءات الخارجية. ما نواجهه هو منظومة كيزانية متجذرة داخل مؤسسات الدولة، وخصوصاً داخل الجيش الذي اختطفه تنظيم الإخوان وحوّله إلى أداة للهيمنة. واستمرار أي حديث عن «تسوية» تمنح هذه المنظومة حصانة، هو تهرّب من المسؤولية وخيانة لدماء الضحايا.

المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاح شكلي، بل خطة وطنية جذرية تتضمن اقتلاع نفوذ الكيزان من أجهزة القرار عبر آليات قانونية وسياسية ومؤسسية. هذا الاقتلاع لا يعني عنفاً عشوائياً، بل يعني محاسبة ومعالجة منظمة: محاكمات عادلة للمتورطين في الجرائم والفساد، وشفافية في التحقيقات المالية، ومصادرة الأصول المكتسبة بطرق غير قانونية بمقتضى أحكام قضائية مستقلة.

كما يتطلب الأمر إعادة تأسيس وبناء مؤسسات مدنية فعلية: جيش يخضع للسلطة المدنية والدستور، أجهزة أمنية تعمل وفق القانون، هياكل رقابية وادارية مستقلة، وأنظمة توظيف وترقي تعطي الأولوية للكفاءة والولاء للدولة لا للأيديولوجيا. لا إصلاح رمزي ولا مجموعات تشكل واجهات؛ بل بناء حقيقي لمؤسسات تضمن مساءلة دائمة وخضوعاً للقانون.

تجفيف موارد النفوذ يعد ركيزة لا تقل أهمية عن بناء المؤسسات. فتح ملفات العقود والمناقصات، تحقيقات بنكية وماليّة جادة، وإجراءات قضائية ضد شبكات التمويل والتمديد الإعلامي والسياسي التي غذّت مشروع الكيزان، كلها خطوات ضرورية لمنع إعادة إنتاج النفوذ ذاته.

قانونية الحياة السياسية يجب أن تُعاد صياغتها بوضوح: ضوابط صارمة على تمويل الأحزاب والتنظيمات، منع أي نشاط سياسي يقوم على العنف أو التجنيد المسلح، وفرض عقوبات رادعة على من يخترق هذه القوانين. العمل السياسي السلمي محفوظ، لكن لا ينبغي أن يتنكر النظام كغطاء للهيمنة.

عدالة انتقالية ترتبط بمصالحة مشروطة هي إطار ممكن للمضي قدماً، شرط أن تقوم على اعتراف ومساءلة وحقوق للضحايا، لا على إعفاء المتسببين. المصالحة الحقيقية لا تُبنى على الإفلات من العقاب، بل على عدالة تضمن عدم تكرار الجرح.

وعلى نخب المجتمع المدني والمهنية والدينية المعتدلة والأكاديمية أن تتكاتف في تكتل وطني يقود عملية الانتقال بعيداً عن الصفقات المغلقة. شعبية المشروع وشرعيته ينبعان من مشاركة واسعة وشفافية تضمن ملكية وطنية للعملية السياسية

أخيراً، يجب أن يرتبط أي تعاون دولي بالشروط: دعم مشروط بمحاربة الفساد، ومراقبة محايدة لعمليات الإصلاح، ورفض أي تدخل يعيد تمكين من ثبت تورطهم في العنف. لا دعم خارجي يبقى بلا رقابة، ولا مساومة تُعيد إنتاج أسباب الانقسام.

لا يمكن تأسيس دولة المواطنة إلا بعد اقتلاع نفوذ الكيزان من مفاصل القرار وإحلال مؤسسات مدنية تكفل الحقوق والواجبات على قدم المساواة. هذا الطريق طويل وشاق، لكنه الوحيد الذي يضمن للسودان أن يتحول من ساحة صراع إلى وطن يحمي مواطنيه ويكفّل كرامتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!