
حامد نحوله
حان الوقت لتأسيس مؤسسات وإجراءات قادرة على صناعة حملات إعلامية منظمة، تستهدف التأثير بسرعة وبفعالية، وتتمكن من التسلل إلى ساحات الرأي العام للتصدي للأفكار المغلوطة والإشاعات والمعلومات الكاذبة. فمع ما يتعرض له السودان الجديد اليوم من حملات ممنهجة تهدف إلى تشويه صورته والإساءة إلى سمعته أمام الرأي العام العالمي، صار من الضروري فهم ماهية الحرب الإعلامية وإدراك أهميتها، والسعي للتأثير ليس فقط على الجمهور المحلي والإقليمي بل على الرأي العالمي بأسره.
أثبتت التجارب أن الشعوب، حتى تلك المهمشة، لا تقبل المساس بسيادتها أو التشكيك في ولائها لوطنها. وإن الهجمات الإعلامية الشرسة، التي سلاحها الأول هو الكذب وتحريف الحقائق، كشفت أيضاً عمق تلاحم الشعب مع قيادته وبنيانه المجتمعي. وفي عصر تتسارع فيه التكنولوجيا والاتصال، صار الإعلام الأداة الأكثر فعالية في التأثير النفسي والاجتماعي؛ حتى بدا أن الحروب تُحسم إعلامياً قبل أن تُحسم على الأرض. لذلك ليس غريبًا أن تبني دول سياساتها الخارجية والداخلية على استراتيجيات إعلامية موحدة، تكون فيها المواجهة الإعلامية —أو لنكن أدق— الحرب الإعلامية، أحد أهم عناصر القوة.
القنوات الفضائية، الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكّل الرأي العام، وصارت أدواتٍ طيّعة بين أيدي صانعي القرار السياسي والاقتصادي. وصلت هذه الأدوات إلى درجة قادرة على تشويه صور دول وحكومات وشعوب بأكملها. ومن هنا ينبع واجبنا: تحويل هذا السلاح إلى أداة دفاعية وهجومية في آنٍ واحد، والتفكير بلغة عالمية لا تكتفي بلغتنا وثقافتنا فقط، بل تخاطب شعوب العالم بكل لغة حسب ثقافتها وطبيعتها النفسية والاجتماعية.
لكي ننجح لا بد من تأسيس مراكز بحث علمي متخصصة في تصميم الحملات الإعلامية، فالبحث العلمي يوفر البيانات الضرورية للتخطيط الاستراتيجي السليم. فهم تركيبة المجتمعات المستهدفة —تاريخها، ثقافتها، ونمط سلوكها— يمكّن صانعي الحملات من اختيار الأساليب الأكثر فعالية للتأثير على الوعي الجمعي، وبالتالي التأثير على قرارات النخب والرأي العام في تلك المجتمعات.
أرى أن الوقت المناسب قد حان لتأسيس مؤسسات إعلامية متخصصة تمتلك قدرات إنتاجية واستراتيجية للتأثير محليًا وإقليميًا ودوليًا. جهات تُدير حملات منظّمة تستخدم أسرع الوسائل وأكثرها قدرة على التسلل —من محتوى قصير مرئي وبودكاست وتحليلات معمقة— للرد على الأكاذيب، لطرح المعلومة الصحيحة، ولإعادة تشكيل وجهات النظر بطريقة منهجية ومدروسة. الرأي العام دومًا عرضة للتلاعب من جهات لها أهداف مغرضة، وواقع مجتمعنا كان ولا يزال هدفًا سهلاً لتلك الحملات المنظمة من قبل فلول ونشطاء ودوائر داعمة لهم.
إن بناء آلة إعلامية عابرة للحدود ضرورة ملحّة: آلة شاملة، مرنة، ومتكيّفة مع لغات وثقافات متعددة، تستهدف أكبر شريحة ممكنة حول العالم. فالثورة التي نناضل من أجلها مستهدفة، وحروب اليوم تقنية وعولمية؛ وإذا لم نرد بالمثل —باستخدام نفس الآليات وبنفس الاحتراف— فسنسقط أمام سيوف الكذب والتضليل والخديعة.
الواجب الآن هو أن يقف الجميع، مؤسساتٍ وأفرادًا، صفًا واحدًا أمام هذه الحملات المشبوهة: بالوعي، بالتخطيط العلمي، وببناء قدرات إعلامية احترافية قادرة على الدفاع عن الحقيقة والهجوم لصالح الحق.




