
أبوعبدالله الراشدي
في خضم الجدل الدائر حول تطورات الأوضاع في مدينة الفاشر، تتردد كثير من المزاعم التي تصف المدينة بأنها “محاصرة” من قبل قوات الدعم السريع. غير أن هذا الوصف يبدو بعيدًا عن الدقة، إذ إن الصورة الميدانية أكثر تعقيدًا مما يروَّج في وسائل الإعلام، وما يُبث عبر منصات الحرب النفسية التي تعتمدها بعض الأطراف.
الحقيقة التي يجب التوقف عندها هي أن السرديات المتداولة حول الحرب واستهداف المدنيين تحتاج إلى مراجعة دقيقة، فالكثير ممن يُقدَّمون بوصفهم “مدنيين” ليسوا كذلك بالمعنى الإنساني المحايد، بل جزء من منظومة القتال، إما رهانًا أو انخراطًا مباشرًا مع جيش الحركة الإسلامية وحركات الارتزاق التي فقدت منذ زمن صلتها بمشروع التحرر المدني السوداني.
هذه الحركات التي تزعم الدفاع عن المدنيين، هي ذاتها التي قاتلت الجيش لعقود طويلة، ورفعت شعارات التحرر والديمقراطية، لكنها اليوم تقاتل إلى جانبه في تحالف عجيب يعكس حجم التناقض الأخلاقي والسياسي. لقد تبيّن بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه التشكيلات المسلحة لم تعد تمتلك مشروعًا وطنيًا، بل تحولت إلى أدوات مأجورة في خدمة قوى الردة التي تسعى لإعادة السودان إلى مربّع الهيمنة القديمة.
إن ما يجري في الفاشر لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الكلي للحرب، حيث تقف قوات الدعم السريع في مواجهة منظومة عسكرية وأمنية تحالفت مع جماعة الإخوان المسلمين، وشرعت في استدعاء المليشيات والمرتزقة لعرقلة أي تحول ديمقراطي أو مشروع مدني حقيقي.
الدعم السريع في هذا السياق لا يخوض معركة عبثية، بل يعمل على تحرير المدينة من قبضة قوى الشر التي ظلت تمارس القتل والتخويف باسم حماية الدولة.
الفاشر اليوم ليست مجرد ساحة قتال، بل ميدان اختبار لمستقبل السودان: هل يظل رهينًا لدولة المركز القديمة وحلفائها من الإسلامويين والمرتزقة، أم ينجح في الانعتاق نحو دولة جديدة تُبنى على أسس المواطنة والعدالة؟
إن الروايات المعلّبة التي تروّجها أبواق النظام القديم لا تخدم الحقيقة، بل تسعى لتزييف وعي السودانيين وتبرير جرائم الحرب تحت شعارات مضللة. أما الواقع، فهو أن السودان يخوض معركة تحرر ثانية، عنوانها هذه المرة تحرير الدولة من وكلاء الماضي، والفاشر إحدى محطاتها الكبرى.




