رأي

دمية بورتسودان تفتح نافذتها على طهران: حين يلتقي الإسلاموي بالحــوثي في بحرٍ من الشبهات

إيمان التجاني

 

 إيمان التجاني

في مشهدٍ يثير الدهشة والريبة معاً، استقبل وزير سلطة بورتسودان – أو بالأحرى “دمية بورتسودان” كما يسميه الشارع السوداني – الصحفي الحوثي أنيس منصور، في أول تواصل إعلامي مباشر بين حكومة صنعاء التي يهيمن عليها الحوثيون، وبين العصابة الإسلاموية التي تحكم بورتسودان بواجهة باهتة من “الشرعية المزعومة”.

هذا اللقاء ليس تفصيلاً عابراً في دفتر العلاقات الإعلامية، بل هو مؤشر خطير على تقاطعات جديدة بين شبكات التطرف السياسي والطائفي في المنطقة، تمتد خيوطها من طهران إلى البحر الأحمر، مروراً بالخرطوم وبورتسودان.

الوزير الذي اختار أن يفتح أبواب مكتبه أمام صحفي محسوب على جماعة الحوثي، ليس شخصية عادية ولا مستقلة كما تحاول السلطة الترويج له. فالرجل معروف بعلاقاته القديمة والمريبة مع قنوات إيرانية في لندن، أبرزها الميادين وقناة العالم، وقد ظل طوال السنوات الماضية جزءاً من ماكينة إعلامية تُعيد إنتاج الخطاب الإيراني في المنطقة تحت ستار “التحليل الاستراتيجي” و”مناهضة الاستعمار الغربي”.

والسؤال هنا: ما الذي يدفع أحد وزراء سلطة مرتبكة ومهزومة داخلياً إلى فتح قناة اتصال مع الحوثيين في هذا التوقيت بالذات؟ أهو مجرد تواصل إعلامي؟ أم محاولة مكشوفة للبحث عن حليفٍ جديد بعد أن بدأ الدعم المصري والتركي يتراجع تدريجياً؟

الصحفي أنيس منصور، الذي حظي بهذا الاستقبال الغريب، ليس بريئاً هو الآخر. فالرجل ظلّ منذ اندلاع الحرب في السودان يحرّض علناً ضد دولة الإمارات العربية، ويدعم علناً ما تُسمى بـ”كتائب البراء” الإرهابية، وهي مجموعات متطرفة ترتبط عضوياً بالحركة الإسلاموية السودانية.

وليس خافياً أن كثيراً من رموز النظام السابق وقوى الردة، باتوا ينسقون معه في الخفاء، ويدعمون منصاته الإلكترونية رغم تواضع محتواه ورداءة لغته الصحفية، فقط لأنه يُجيد ما يجيدونه هم: نشر خطاب الكراهية والتحريض والتضليل.

إن هذا اللقاء المشبوه بين ممثل سلطة الإسلامويين في بورتسودان وصوت الحوثيين من صنعاء ليس مجرد “خطأ بروتوكولي”، بل هو إعلان مبكر عن تحالف الظلال بين تيارين يتقاطعان في الفكر والمصلحة:

كلاهما يعادي الديمقراطية، ويستثمر في الفوضى، ويبحث عن منفذٍ إلى البحر الأحمر ليكون بوابة جديدة للتغلغل الإيراني في المنطقة.

فإذا ما صحت الأنباء عن سعي جماعة بورتسودان لإنشاء “نافذة بحرية خاصة” لتأمين خط اتصال مع طهران، فإننا أمام تهديد مباشر لممرات الملاحة في البحر الأحمر، وخطر لا يقل عن خطر القرصنة والإرهاب البحري نفسه.

الحقيقة التي لا يريد الإسلامويون الاعتراف بها أن مشروعهم السياسي قد سقط داخلياً، وأنهم يبحثون اليوم عن أنفاسٍ جديدة خارج الحدود. لكنهم، في سعيهم هذا، يجرّون السودان كله إلى مستنقع المحاور المتصارعة. إن التحالف مع الحوثي – ولو على مستوى الإعلام – ليس سوى خطوة أولى في طريقٍ مظلمٍ يعيد إنتاج الاصطفافات الإقليمية المسمومة التي حوّلت اليمن إلى أنقاض.

إن لقاء بورتسودان وأنيس منصور لم يكن لقاءً بين إعلامي ووزير، بل بين وهمين كبيرين: وهم السلطة التي لا شرعية لها، ووهم “المقاومة” التي فقدت معناها حين تحوّلت إلى ذراع لطهران.

إنه لقاء بين مشروعين مهزومين يبحثان عن بقاءٍ بأي ثمن، حتى ولو كان الثمن هو أمن السودان وسيادته على البحر الأحمر.

ختاماً، يمكن القول إن من يفتح نافذة صغيرة على طهران، سيفتح لاحقاً باباً واسعاً للتدخلات والخراب.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم في كل منبر وطني:

هل بورتسودان على وشك أن تصبح النسخة السودانية من صعدة؟

إنها ليست مبالغة، بل نبوءة سياسية لا تحتمل التأجيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!