
سمية النور دهب
في السودان، لم تعد الحرب حدثاً طارئاً ولا أزمة عابرة يمكن تجاوزها بتصريحات عاطفية أو وعود مؤجلة. لقد تحولت إلى بنية قائمة بذاتها، لها مستفيدوها، وحراسها، وخطابها الذي يبررها ويطيل عمرها. وسط هذا الواقع، يصبح السلام فعلاً ثورياً، لا يقل خطورة في نظر دعاة الحرب عن إسقاط نظام أو فضح سلطة.
المفارقة المؤلمة أن الدعوة إلى السلام باتت تُواجَه باتهامات جاهزة: التخوين، العمالة، الضعف، أو “الانحياز للعدو”. كأن المطالبة بوقف القتل جريمة، وكأن الدفاع عن الحياة خروج عن الوطنية. لكن من قال إن الوطنية تُقاس بعدد القتلى؟ ومن أقنع الناس أن استمرار الحرب هو الطريق الوحيد لحماية الدولة؟
الحقيقة التي يحاولون طمسها أن الخيانة ليست في رفض الحرب، بل في صناعتها. الخيانة في الاستثمار في الدم، وفي تحويل معاناة الملايين إلى أوراق تفاوض، وفي إدامة الفوضى لحماية مصالح نخبة ضيقة من الإسلامويين، وقوى الردة، وجيش الكيزان، الذين أثبتت التجربة أنهم لا يرون في السودان وطناً بقدر ما يرونه غنيمة.
لقد رأينا كيف تُفشل فرص السلام واحدة تلو الأخرى. ليس لأن المبادرات ضعيفة، بل لأن السلام ذاته مرفوض من قبل من يخشون لحظة المحاسبة. السلام يعني نهاية اقتصاد الحرب، ونهاية الامتيازات، ونهاية الخطاب الزائف الذي يتغذى على الخوف والتعبئة والكراهية. لذلك، تُرفع المتاريس السياسية، وتُختلق الشروط التعجيزية، ويُعاد إنتاج العنف كلما اقترب الأمل.
وفي هذا السياق، يكتسب وعي الشارع السوداني أهميته القصوى. فالشعار الذي أطلقه الثوار: “الجيش ما جيش السودان، الجيش جيش الكيزان”، لم يكن انفعالاً ثورياً عابراً، بل توصيفاً دقيقاً لمؤسسة جرى اختطافها وتحويلها إلى أداة أيديولوجية. ما يجري اليوم من دمار شامل يؤكد أن هذا الشعار لم يكن مبالغة، بل تشخيصاً مبكراً لكارثة تم تجاهلها طويلاً.
السلام الذي نريده ليس سلام الصفقات ولا تسويات الغرف المغلقة. هو سلام يعالج الجذور: دولة مدنية، عدالة انتقالية حقيقية، تفكيك بنية التمكين، وتنمية متوازنة تُنهي التهميش الذي أشعل الحروب منذ الاستقلال. سلام يعيد الاعتبار للإنسان، لا للبندقية.
إن استمرار الحرب خيار سياسي، لا قدراً أبدياً. ويمكن كسره حين تتوحد القوى المدنية، وحين يُحاصَر خطاب الكراهية، وحين يُسمّى دعاة الحرب بأسمائهم الحقيقية. في هذا الزمن، الصمت ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة. أما الانحياز للسلام، فهو انحياز للحياة، وللمستقبل، وللسودان الذي يستحق أن يُنقذ من بين أنياب تجار الموت.




