رأي

البرهان و”اللجنة السياسية”: محاولة متأخرة لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه

السفير عادل إبراهيم مصطفي

 

بقلم السفير: عادل إبراهيم مصطفي 

كشفت صحيفة مدنية نيوز الإلكترونية عن تشكيل رئيس مجلس السيادة الانقلابي، الجنرال عبد الفتاح البرهان، لجنةً سياسية بدأت بالفعل عقد لقاءات مع قوى مدنية موالية للجيش، تمهيدًا لإطلاق عملية سياسية جديدة تهدف – كما قيل – إلى “إعادة ترتيب المشهد الوطني على أسس توافقية”. كما أشارت الصحيفة إلى لقاء عقده نائبه، الجنرال شمس الدين كباشي، في بورتسودان مع عدد من ممثلي القوى المدنية – لم تُحدَّد هويتهم – تناول تطورات الأوضاع السياسية والإنسانية وسبل إنهاء الحرب واستعادة المسار السلمي.

غير أن مثل هذا التطور، إنْ صحّ، لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه محاولة متأخرة لتجميل وجه إنقلاب اكتوبر 2021 ضد الثورة، أو بالأحرى مسعى من بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وجماعة الإخوان المسلمين لجسّ النبض حول إمكانية بقاء قيادات الجيش ضمن الترتيبات الانتقالية المقبلة، بعد أن دمّرت الحرب البلاد وشرّدت الملايين. فالحلّ الذي يتحدثون عنه اليوم كان متاحًا قبل اندلاع الحرب، ممثَّلًا في الاتفاق الإطاري الذي وقّعه الجنرال البرهان بنفسه، ثم انقلب عليه خضوعًا لضغوط تيار الإسلام السياسي. بل إنّ العسكر رفضوا، في بدايات الحرب، كل المبادرات السلمية، ورفعوا شعارهم الشهير “بل بس”، وصولًا إلى إصدار أحكام جائرة ضد قيادات تحالف “صمود” الذين يسعون اليوم إلى التفاوض معهم.

من الواضح أن الضغوط الدولية والإقليمية – ولا سيّما من دول “الرباعية” – إضافة إلى ضيق الخيارات الميدانية والسياسية، هي التي دفعت البرهان إلى هذا المنحى، ولكن بعد خراب مالطا. فهو لا يسعى إلى إنهاء الحرب بقدر ما يسعى إلى حجز مقعدٍ في الترتيبات المقبلة لضمان بقائه جزءًا من المشهد، لا أكثر.

لقد أثبتت التجارب منذ عام 2019 بما لا يدع مجالًا للشك أن قائد الجيش يفتقر إلى الوطنية والمصداقية واحترام العهود؛ إذ تنكّر لكل اتفاقٍ وقّعه، وكان همه الأول والأخير أن يكون رئيسًا، تحقيقًا لأضغاث أحلام والده – كما يردّد المقربون منه. وهكذا، بينما أُجبر جميع رموز الحكم الانتقالي على المغادرة، بمن فيهم رئيس وزراء الثورة الدكتور عبد الله حمدوك، ظل البرهان وحده متشبثًا بالسلطة، وكأنها إرثٌ عائليّ لا تكليف وطنيّ مؤقت.

إن أي ترتيبات انتقالية تشمل البرهان أو قيادات جيشه الحالي ستقضي على فرص العدالة والاستقرار، لأنها تعني عمليًا استمرار البنية السياسية والاجتماعية القديمة التي حكمت البلاد منذ خروج المستعمر الأجنبي، وتكريس مبدأ الإفلات من العقاب، واستمرار الجيش كجناحٍ مسلحٍ للإسلاميين. لذلك فإن الشرط الأول لبناء دولة الحرية والسلام والعدالة هو إعادة تأسيس جيش وطني مهنيّ لا يتدخل في السياسة أو الاقتصاد، بل يتفرغ لحماية سيادة البلاد ودستورها ونظامها الديمقراطي، على غرار الجيوش في الدول المحترمة.

لقد بلغ الوضع اليوم حدًّا لا يحتمل مزيدًا من المراوغات التي تعيدنا إلى دائرة الماضي؛ إذ لا بد من معالجة جذور الأزمة السودانية التي قادت إلى الحروب المتكررة منذ عام 1955، عبر حلٍّ شاملٍ وحقيقيّ يضع حدًا لدورات الانقلاب والحرب، ويؤسس لنظامٍ مدنيٍّ ديمقراطيٍّ مستدام.

وفي هذا السياق، يظلّ الأمل معقودًا على مبادرة دول “الرباعية الدولية” باعتبارها الإطار الرئيس للسعي نحو تسوية الأزمة السودانية، شريطة ترجمة هذا الدور إلى مواقف عملية حازمة تدعم قوى الثورة والمدنية وتمنع إعادة إنتاج الحكم العسكري. وعلى قوى الثورة – وفي مقدمتها “صمود” – أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية بالوقوف موقفًا حازمًا ضد أي حلولٍ مخيّبة للآمال تمنح البرهان أو قيادات الجيش الحالية فرصة جديدة للمشاركة في ترتيبات التسوية المرتقبة، قطعًا للطريق أمام أي تسوية تُبقي البلاد رهينة للمؤسسة العسكرية.

فالسودان اليوم لا يحتاج إلى “لجنة سياسية” جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة تعالج الأزمة من جذورها، وتعيد تعريف الدولة على أسس العدالة والمواطنة المتساوية، وتطوي صفحة الحكم العسكري إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!