
فاطمة لقاوة
“تعقيب على مقال د. الشفيع خضر حول مؤتمر برلين”
في كل مرة تُعقد فيها طاولة خارجية بإسم السودان، يتكرر المشهد بذات الرتابة: قاعات فاخرة، بيانات منمّقة، ووجوهٌ مستهلكة تعيد إنتاج الأزمة تحت لافتة البحث عن حل،فمثلما أشار دكتور الشفيع خضر إلى قصور الإرادة الدولية، فإن الحقيقة الأشد فداحة تُترك عمداً خارج النقاش: من الذي يحتكر تمثيل السودان في هذه المؤتمرات؟ ومن الذي أوصل البلاد إلى هذه الهاوية أصلاً؟،المشكلة ليست في برلين،بل في من حوّلوا برلين إلى مسرحٍ لغسل خطاياهم.
لا يمكن الحديث عن مأساة السودان دون تسمية الأشياء بأسمائها،ما يُسمى “جيشاً وطنياً” يقوده اليوم عبد الفتاح البرهان ليس مؤسسة قومية محايدة، بل كيانٌ مختطف من بقايا نظام عمر البشير، تُحرّكه شبكات الإسلامويين (الكيزان) التي أعادت التمركز داخل مفاصله.
إلى جانب البرهان، يقف ياسر العطا كصوتٍ صريح لعقيدة “القوة المميتة”، لا كإستثناء بل كقاعدة حكم،
هذه القيادة لم تكتفِ بإجهاض التحول المدني، بل دفعت البلاد إلى حرب مدمرة، ثم تحاول اليوم الترويج لنفسها كشريكٍ في السلام.
كيف يمكن لمؤسسة أشعلت الحرب أن تكون وسيطاً لإطفائها؟ وكيف يُعقل أن يُعاد تدوير نفس القيادات التي إستخدمت العنف كأداة حكم، لتصبح ضامناً لأي إنتقال ديمقراطي؟.
الحقيقة التي يتم تجنبها في برلين: لا سلام مع جيشٍ مخترق أيديولوجياً، ولا دولة مع مؤسسة عسكرية تعمل كذراعٍ سياسياً لجماعة فقدت شرعيتها منذ سقوط نظامها.
في الضفة الأخرى، تقف قوى سياسية تحاول تسويق نفسها كبديل مدني، بينما سجلها لا يقل ثقلاً في ميزان الفشل.
تلك المجموعات التي تلتف حول عبد الله حمدوك، وتتصدر مشهد برلين، ليست بريئة كما تُصوَّر نفسها، بل شريكٌ أصيل في إنتاج الأزمة،هذه النخب مارست ما يمكن تسميته بـ”التزحلق السياسي”: إنتقالٌ سلس بين المواقف دون كلفة أخلاقية، من شعارات الثورة إلى صفقات السلطة، ومن إدعاء المدنية إلى التعايش مع العسكر،لم تقف موقفاً حاسماً ضد عسكرة الدولة، ولم تطرح مشروعاً جذرياً لتفكيك بنية التمكين، بل إكتفت بإدارة التوازنات الهشة حتى إنهارت البلاد فوق رؤوس الجميع،الأسوأ من ذلك، أن بعض هذه القوى راهن على الحرب كفرصة،إعتقدوا أن إستنزاف الأطراف المسلحة سيفتح لهم نافذة للعودة، متوهمين أنهم قادرون على وراثة دولة محطمة.
إنها مغامرة بدماء السودانيين، لا سياسة،عندما تستضيف الحكومة الألمانية هذه التركيبة المختلة، فهي لا تُخطئ التقدير فقط، بل تساهم في تعميق الأزمة. إقصاء الفاعلين الحقيقيين—من لجان ثورية شبابية، إلى النساء في الريف، إلى التحالفات القاعدية—مقابل إحتضان نخب فقدت صلتها بالشارع، يجعل من المؤتمر أداة لإعادة إنتاج الفشل لا لتجاوزه.
المجتمع الدولي هنا ليس “مغشوشاً” بالكامل، بل متواطئ بالصمت أو بالكسل السياسي،يختار الطريق الأسهل: التعامل مع وجوه معروفة، حتى لو كانت جزءاً من المشكلة، بدلاً من الإستثمار في مسار أصعب لكنه أكثر صدقاً مع واقع السودان.
الأزمة السودانية ليست أزمة وساطة، بل أزمة بنية،ولن تُحل ببيان ختامي أو صفقة ناعمة،هناك حقائق لا يمكن القفز فوقها:لا شرعية لقيادة عسكرية مرتبطة بمشروع أيديولوجي إقصائي.
لا مستقبل لنخب سياسية ترفض الإعتراف بفشلها أو الإعتذار عنه.
لا معنى لأي عملية سياسية تُقصي القاعدة الإجتماعية التي صنعت الثورة.
الخروج من هذا النفق يبدأ من تفكيك جذور الأزمة لا تجميلها:تأسيس جيش وطني على أسس مهنية خالصة، بعيداً عن الإختراقات الحزبية والعقائدية.
عملية دستورية قاعدية تنطلق من الهامش، من النساء، من المجتمعات التي دفعت ثمن الحرب، لا من صالونات النخب.
محاسبة سياسية وأخلاقية لكل من شارك في إجهاض الإنتقال أو التواطؤ مع الحرب، مدنياً كان أو عسكرياً.
السؤال الذي يجب أن يُطرح في برلين__ولا يُطرح__هو
:من يمثل السودان حقاً؟
ليس من يرتدي بدلة رسمية ويتحدث بلغة دبلوماسية، بل من بقي في الداخل تحت قصف المسيرات، من قاوم، من فقد، من لا يملك ترف “التزحلق”،أما أولئك الذين يتنقلون بين العواصم، ويبيعون أوهام الحلول، فعليهم أن يدركوا أن زمن إحتكار التمثيل قد إنتهى. السودان الجديد لن يُبنى في الفنادق، ولن يُمنح عبر المؤتمرات، بل يُنتزع من قبضة من أوصلوه إلى هذا الخراب،عسكريين كانوا أو مدنيين.
برلين ليست المشكلة! المشكلة فيمن يذهبون إليها، ويعودون بذات الخراب.
ولنا عودة بإذن الله
الخميس،١٦أبريل/٢٠٢٦م




