رأي

السودان وإفريقيا: نحو استعادة الهوية والمكانة الطبيعية

سمية النور دهب ... دبلن

 

سمية النور دهب

“من لم يعرف أصله، عاش غريبًا ولو وسط قومه.”

لطالما كان انضمام السودان إلى جامعة الدول العربية قرارًا مثيرًا للجدل في تاريخه الحديث، إذ أُدرج في منظومة لم تعترف به كعضو متكافئ، وحُوّل إلى تابع لأجندات خارجية لا تخدم مصالح شعبه. هذا الانخراط العاطفي في القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، أوقع السودان في عزلة اقتصادية وسياسية، وجعله يدفع أثمانًا باهظة من التنمية والاستقرار، في حين كانت المصالح الوطنية تقتضي موقفًا مستقلًا وقراءة واقعية للمنطقة.

لقد أظهرت التجارب التاريخية أن التعلق بالعروبة لم يجلب للسودان سوى تبعيات وهزائم رمزية، بينما القارة الإفريقية تمثل امتدادًا طبيعيًا للهوية السودانية من حيث الثقافة والجغرافيا والتاريخ. إفريقيا اليوم هي الفرصة الحقيقية لاستعادة موقع السودان كدولة فاعلة وموثوقة في المنطقة، قادرة على بناء تحالفات استراتيجية تضمن مصالح شعبها قبل أي طرف خارجي.

التحول نحو إفريقيا ليس خيارًا ثانويًا بل ضرورة استراتيجية. فهو يمنح السودان القدرة على المشاركة الفاعلة في مشاريع البنية التحتية الإقليمية، وتعزيز التجارة بين دول الشمال والجنوب الإفريقي، واستثمار الثروات الطبيعية والبشرية بشكل يحقق نهضة اقتصادية مستدامة. السودان، بموقعه الجغرافي المتميز، قادر على أن يصبح مركزًا للتكامل والتنمية الإقليمية إذا ما تبنى سياسات قائمة على المصالح الوطنية وليس على العواطف أو الضغوط الإقليمية.

كما أن هذا التحول يعيد للسودان صورته كدولة ذات إرادة مستقلة، قادرة على صياغة تحالفات ذكية، بعيدًا عن الانخراط الأيديولوجي الذي ربطه سابقًا بالقضايا العربية بطريقة أساءت له. فالسياسة الواقعية تستند إلى العقل قبل العاطفة، وإلى المصلحة الوطنية قبل أي انتماء خارجي، وهذا بالضبط ما يتطلبه مستقبل السودان.

إن العودة إلى إفريقيا ليست تراجعًا عن الانفتاح العالمي، بل استعادة للذات والهوية الوطنية، وتصحيح لمسار أُجبر السودان على السير فيه عقودًا طويلة. فهي تعني إعادة تحديد شركاء السودان على أساس المصالح المشتركة، وليس على أساس الانتماء التاريخي أو الضغوط الإقليمية. كما تمنح البلاد الفرصة للاستفادة من التعاون الاقتصادي، وتطوير القطاعات الحيوية مثل الزراعة والطاقة والمياه، ورفع مستوى رفاهية المواطنين بما يواكب متطلبات القرن الحادي والعشرين.

“من أراد أن يعرف مستقبله، فليعد إلى جذوره.”

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان إلى شجاعة سياسية وإرادة وطنية حقيقية ليعيد رسم مستقبله في ضوء هويته الإفريقية. فالتحول نحو القارة هو السبيل للخروج من أزمات الهوية والاقتصاد والسياسة، ولتعزيز مكانته الإقليمية والدولية. السودان جذوره في إفريقيا، وليس في دهاليز العروبة المتهالكة، والآن هو الوقت الأمثل لإعادة قراءة هويته وصياغة مستقبله على أسس قوية، بعيدة عن الأوهام العاطفية ومبنية على المصلحة الوطنية والاستقرار الدائم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!