
نجم الدين دريسة.. كمبالا
“السياسة ليست شعارات تُرفع، بل فنّ اتخاذ القرارات الصعبة لحماية الأمة.”
في عالم اليوم، لم يعد ممكنًا أن تبقى الأمم أسيرة شعارات قديمة أو رهينة العاطفة التي تحدد مصيرها. السودان، هذا البلد المتعدد الأعراق والثقافات، يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يواصل السير في أوهام الماضي، أو أن ينخرط بوعي وجرأة في إعادة صياغة واقعه السياسي وفق مصالحه الوطنية الحقيقية.
لقد ظل السودان لعقود طويلة يدفع ثمن مواقف لم تكن من صنعه، ويعيش أسير أوهام “القضية المركزية” التي تحولت إلى عبء أيديولوجي أكثر منها التزامًا أخلاقيًا. موقف الخرطوم العدائي من إسرائيل لم يكن نابعًا من إرادة وطنية حرة، بل نتيجة ضغوط عربية، وبالأخص من القاهرة، التي أرادت إدخال السودان في فلكها الاستراتيجي عبر جامعة الدول العربية. وهكذا، أصبح السودان تابعًا أكثر منه شريكًا، ودفع أثمانًا باهظة بسبب مواقف عاطفية لم تحقق له أي مكسب.
“من يقدّم العاطفة على العقل في السياسة، يكتب تاريخ الهزيمة قبل أن يبدأ.”
اللاءات الثلاثة التي أصدرتها الخرطوم في مؤتمر 1967 – لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف – تحوّلت اليوم إلى رموز فارغة، إذ أن مصر وقّعت اتفاق “كامب ديفيد”، والأردن “وادي عربة”، والفلسطينيون أنفسهم أبرموا “اتفاق أوسلو”. في المقابل، ظل السودان رهين الماضي، غير قادر على استثمار الفرص الدولية لصالح شعبه، وفقد موقعه كلاعب فاعل في المنطقة.
هنا يبرز اتفاق إبراهام سنة 2020 كتحوّل جذري، إذ فتح آفاق التعاون مع إسرائيل برعاية أمريكية، معتمدًا على منطق المصالح المشتركة بدل العداء الأيديولوجي. وقد انخرطت الإمارات، البحرين، المغرب، والسودان نفسه، في هذا الاتفاق الذي يتيح فرصًا استراتيجية في الاقتصاد والتكنولوجيا والزراعة الحديثة، ويعيد للسودان صورة الدولة العصرية المنفتحة على العالم.
“الواقعية السياسية ليست خيانة، بل حماية لمستقبل الوطن من أوهام الماضي.”
يظهر هنا دور تحالف “تأسيس” كإطار مدني وسياسي يمكنه أن يضع المصالح الوطنية فوق أي اعتبار عاطفي أو أيديولوجي، وأن يستفيد من الفرص التي يوفرها اتفاق إبراهام. فالتعاون مع إسرائيل اليوم لا يعني التخلي عن القيم أو التضامن مع القضية الفلسطينية، بل الانتقال من الخطاب الثوري إلى العمل الدبلوماسي العملي، بما يخدم مصالح السودان الاقتصادية والاستراتيجية.
إعادة النظر في موقف السودان تجاه إسرائيل عبر اتفاق إبراهام يتيح فرصة للخروج من العزلة الطويلة، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز العلاقات الدولية. الانخراط الواعي في هذا المسار يجعل السودان فاعلًا، لا تابعًا، ويحوّل تحالف “تأسيس” إلى منصة استراتيجية تعكس رؤية وطنية حديثة.
لقد آن الأوان لنتحرر من “رومانسية الشعارات” وننظر إلى الواقع بعين العقل. التاريخ لا يرحم المترددين، والسياسة لا تعرف الفراغ. من لا يملك شجاعة التغيير يظل رهين الأمس، ومن لا يُدرك تحولات العالم يعيش خارج الزمن.
إن انخراط تحالف “تأسيس” في اتفاق إبراهام ليس خطوة تطبيعية عاطفية، بل هو انتقال استراتيجي من التبعية إلى الشراكة، ومن الشعارات إلى الفعل الواقعي. وفي النهاية، الواقعية السياسية ليست خيانة، بل أعلى درجات الإخلاص للوطن.




