بيت السودان – قسم الدراسات الاستراتيجية الرق، السلطة، ونظرية الهامش والمركز في السودان: قراءة نقدية علمية في بنية الخطاب وسوء توظيف التاريخ
بروفيسور عبدالرحمن العمرابي

إعداد: بروفسور عبدالرحمن أحمد عمر (العمرابي)
عضو مؤسس في تحالف تأسيس وعضو تجمع السودانيين المستقلين
الملخص
تهدف هذه الورقة إلى مراجعة نظرية “المركز والهامش” في الفكر السياسي والاجتماعي السوداني من منظور علمي نقدي، عبر تحليل بنيتها المفاهيمية، ومساءلة أسسها التاريخية، وتبيان مفارقاتها المنهجية التي جعلتها أداة تعبئة وصراع أكثر من كونها إطاراً علمياً للتحليل البنيوي. تعتمد الورقة على منهج التاريخ الاجتماعي المقارن، وتربط بين مسار تشكل الدولة السودانية الحديثة، وتاريخ الاقتصاد والسياسة الإقليمية، وسوسيولوجيا الهوية في السودان. وتخلص الورقة إلى أن نظرية الهامش والمركز في صورتها المتداولة اليوم تقوم على سردية اختزالية تتجاوز التعقيد التاريخي والاجتماعي، وتحمل في طياتها نزعة تعويضية وخطاباً إقصائياً جديداً، لا يعيد إنتاج الوعي الوطني بل يكرس الانقسام النفسي والرمزي بين السودانيين.
Abstract (English)
This paper critically examines the ‘Center–Periphery Theory’ in Sudanese political and social thought through a scientific and historical lens. It analyzes the conceptual structure, historical foundations, and methodological contradictions that transformed the theory into a tool of political mobilization rather than analytical inquiry. Using a comparative socio-historical approach, the study links the evolution of the modern Sudanese state with the history of economy, regional politics, and social identity. It concludes that the theory, as currently circulated, rests on a reductionist narrative and reproduces a compensatory and exclusionary discourse that undermines national unity and civic cohesion.
منذ سبعينيات القرن الماضي، دخلت نظرية “المركز والهامش” إلى الخطاب السوداني عبر مثقفين تأثروا بالنزعة الماركسية وما بعد الكولونيالية، ورُوِّج لها باعتبارها أداة لفهم بنية السلطة والثروة، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى إيديولوجيا احتجاج تُستخدم في الصراع السياسي أكثر مما تُستخدم في التحليل العلمي. الفرضية المركزية لهذه النظرية تقول إن “المركز” – أي النخب النيلية أو الشمالية – احتكر السلطة والثروة منذ الاستقلال، بينما ظلت الأقاليم الطرفية في حالة تهميش دائم. لكن الدراسات التاريخية تبين أن المركز لم يكن ثابتاً بل متحركاً بتبدل أنماط الدولة والاقتصاد. ففي عهد الفونج كانت سنار مركزاً، وفي عهد الفور كانت الفاشر، ثم صارت الخرطوم مركزاً في العهد التركي والمهدية. أي أن مفهوم المركز في السودان وظيفة سياسية لا هوية جغرافية أو عرقية. أما الهامش، فليس موقعاً جغرافياً بل انعكاس لتفاوت السياسات التنموية وضعف الدولة. لقد تحولت النظرية في الخطاب الحديث إلى هوية سياسية تستخدم لتبرير الانقسام، بينما المطلوب هو تحليل بنيوي قائم على العدالة والتنمية المتوازنة. كما أن استدعاء تاريخ الرق كمبرر لسردية الهامش لا يصمد أمام الحقائق التاريخية، إذ كان الرق نظاماً اجتماعياً عاماً مارسته مختلف القوى في دارفور وسنار والمسبعات، وأُلغي رسمياً عام 1924 وفق الوثائق البريطانية. بذلك يتضح أن التفاوت في السودان ليس إثنياً بل مؤسساتي ناتج عن ضعف الدولة وتذبذب سياساتها الاقتصادية. الخطر في استمرار هذا الخطاب أنه يعيد إنتاج الاستقطاب ويمنح شرعية زائفة لنخب جديدة تدّعي تمثيل الضحية. والسؤال الجوهري: من يريد أن يظل الهامش هامشاً؟ إن تجاوز الانقسام لا يكون بالثأر الرمزي بل بإعادة تعريف الوطن كحقل مشترك للعدالة والتنمية والكرامة.
إن أخطر ما يمكن أن يترتب على استمرار تداول نظرية الهامش والمركز في صورتها المشوّهة اليوم، هو ما بدأ يظهر بالفعل من مؤشرات عملية على تفكك الخطاب الوطني ووحدة الدولة السودانية. فالمتابع لمواقف القوى السياسية والعسكرية في مناطق السيطرة المختلفة يلحظ بوضوح أن هذا الخطاب أصبح أداة لتبرير الانقسام لا معالجته. في مناطق سيطرة الإسلامويين، يُستخدم خطاب “المركز العربي الإسلامي” لتبرير الانعزال عن بقية السودان وقبول مبدإ الانفصال الضمني كخيار لتفادي “الهامش المتمرّد”، بينما تتبنى قوات الدعم السريع وحليفتها العسكرية الحركة الشعبية خطاباً مقابلاً يدّعي تمثيل الهامش ويُلوّح بمشروعات الوحدة الطوعية التي تحوّلت في الممارسة إلى استعداد للانفصال الفعلي متى ما أتيح الظرف. وفي خضم هذا الاستقطاب، وقعت القوى المدنية والكيانات الفكرية بين الخوف والاستخفاف، فابتعد كثير منها عن مواجهة هذا الخطاب أو تفكيكه علمياً، مما أتاح له أن يتمدد في الوعي العام بوصفه “حقيقة سياسية” لا بديل لها. إن قبول الإسلامويين بفكرة الانفصال من ناحية، و تبني الدعم السريع والحركة الشعبية للوحدة الطوعية كثابت فوق دستوري من ناحية أخرى، يفتح الباب أمام مسار خطير. فبحسب القراءة العلمية والتحليلية لتوجهات الخطاب والميدان، فإن السودان مهدد بالسير نحو أحد خيارين: الانفصال الجغرافي التدريجي، الذي قد يبدأ من دارفور أو جبال النوبة والنيل الأزرق، وسرعان ما يمتد إلى الشمال والوسط والشرق الذين سيلجأون إلى الانفصال دفاعاً عن الذات؛ أو الكونفدرالية الهشة، التي تلمّح بها بعض الأصوات في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، بما يعني تفكيك الدولة المركزية واستبدالها بكيانات حكم ذاتي متباعدة ومتعارضة المصالح. في المقابل، تبقى مناطق كردفان وما يُعرف بـ”منطقة الخلو” خارج التحديد الواضح، وكأنها تتأرجح بين التبعية لأحد الطرفين أو انتظار مسار لم تتضح معالمه بعد. والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بكل مسؤولية: هل هذه هي رغبة السودانيين حقاً، أم هي رغبة المهيمنين الذين أعادوا إنتاج الصراع القديم في ثوب جديد؟ إن الخطر الأكبر ليس في الانقسام نفسه، بل في تحوّل خطاب الهامش والمركز إلى أداة إقناع جماعي بأن الوحدة مستحيلة، في حين أن الوحدة الطوعية، إذا فُهمت بمعناها الحقيقي، تعني التعاقد الحرّ بين المكونات لا التنافر الممنهج بينها.
المراجع
1. يوسف فضل حسن، تاريخ السودان الحديث، جامعة الخرطوم، 1980.
2. أحمد إبراهيم أبوشوك، دراسات في المهدية والرق في السودان، دار عزة، 2012.
3. Robert O. Collins, A History of Modern Sudan, Cambridge University Press, 200
4. Mahmoud Salih, The Slave Trade in the Sudan, Khartoum University Press, 1978.
5. سمير أمين، التطور اللامتكافئ، دار ابن خلدون، 1973.
6. Franz Fanon, The Wretched of the Earth, Grove Press, 1963.
7. World Bank, Sudan Economic Monitor: Pathways to Development, 2018.
8. UNECA, Inequality and Structural Transformation in Africa, 2020.
9. محمد جلال هاشم، السودان: الوعي بالهامش، دار مدارك، 2010.




