
جيلان شريف
بدموع امتزجت بالفرح، انطلقت امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة تحالف السودان التأسيسي. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد استحقاق أكاديمي تأخر موعده، لكنه في الحقيقة حدث يتجاوز حدود التعليم ليحمل أبعاداً إنسانية وسياسية عميقة. فحين يجلس آلاف الطلاب في دارفور وكردفان والإقليم الأوسط إلى مقاعد الامتحان بعد سنوات من الحرمان، فإنهم لا يؤدون اختباراً دراسياً فحسب، بل يعلنون انتصارهم على العزلة والتهميش والحرب.
منذ اندلاع الحرب، تراجع ملف التعليم إلى الهامش، وكأن مصير ملايين الأطفال والشباب يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم. وبينما انشغلت الأطراف المتصارعة بحسابات القوة والنفوذ، كان هناك جيل كامل يدفع الثمن من مستقبله. أربعة أعوام من الانقطاع عن الدراسة بالنسبة لآلاف الطلاب في دارفور ليست مجرد فترة زمنية، بل سنوات من القلق والانتظار والخوف من ضياع الحلم.
المؤلم في الأمر أن السودان لم ينقسم يوماً بمرسوم رسمي أو وثيقة دستورية تعلن التمييز بين مواطنيه، لكنه عرف أشكالاً أخرى من الانقسام أكثر خطورة. فالتمييز الحقيقي يبدأ عندما تصبح الحقوق الأساسية متاحة لفئة ومهددة لفئة أخرى، وعندما يتحول التعليم والصحة والخدمات إلى امتيازات غير متكافئة بين أبناء الوطن الواحد. عندها لا تكون المشكلة في الجغرافيا، بل في مفهوم المواطنة نفسه.
لهذا السبب تكتسب هذه الامتحانات أهميتها الاستثنائية. فهي ليست مجرد أوراق وأسئلة وقاعات، بل إعلان عملي بأن أبناء المناطق التي عانت من التهميش يرفضون أن يكونوا ضحايا للظروف التي فُرضت عليهم. إنها رسالة تقول إن الحرب قد تدمر المدارس، لكنها لا تستطيع أن تهزم إرادة التعلم، وإن المجتمعات التي تتمسك بالتعليم حتى في أحلك الظروف تمتلك القدرة على إعادة بناء نفسها من جديد.
ولعل أكثر المشاهد تعبيراً عن هذه اللحظة كان اختلاط الدموع بالفرح. لم تكن تلك الدموع تعبيراً عن نجاح إداري أو إنجاز مؤقت، بل انعكاساً لحجم المعاناة التي سبقت هذا اليوم. كانت دموعاً تحمل خوف سنوات طويلة من أن ينتصر الجهل على المعرفة، وأن تضيع أجيال كاملة في الفراغ الذي تصنعه الحروب.
وعندما تنجح حكومة ما في إعادة الطلاب إلى مقاعد الدراسة وتنظيم الامتحانات في ظل ظروف بالغة التعقيد، فإن ذلك يستحق التوقف والتقدير. فالحكومات لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الصراع، بل أيضاً بقدرتها على حماية الحقوق الأساسية لمواطنيها. وما قامت به حكومة السودان التأسيسي في مناطق سيطرتها يمثل انتصاراً حقيقياً على الجهل والإقصاء، لأنه أعاد الأمل لآلاف الأسر وأثبت أن الاستثمار في الإنسان يظل أولوية حتى في أوقات الأزمات.
إن أعظم أشكال القوة ليست تلك التي تُقاس بالسلاح أو النفوذ، وإنما تلك التي تُقاس بالقدرة على بناء العقول. فالدولة التي تنجح في حماية التعليم وسط الحرب ترسل رسالة واضحة بأنها تحترم شعبها وتؤمن بمستقبله. لذلك فإن هذا الإنجاز لا ينبغي النظر إليه كإجراء إداري عابر، بل كخطوة سياسية وأخلاقية تعكس إيماناً بأن المعرفة هي أساس النهضة والاستقرار.
إن أخطر ما واجهه السودان خلال العقود الماضية لم يكن الصراع المسلح وحده، بل تراكم الأزمات التي أضعفت قيمة التعليم وأفقدت كثيرين الثقة في قدرته على تغيير الواقع. لذلك فإن استعادة العملية التعليمية في هذه المناطق تمثل خطوة تتجاوز الحاضر نحو المستقبل. فالأوطان لا تنهض بالشعارات، ولا تُبنى بالبندقية وحدها، وإنما تُبنى بالعقول التي تتلقى تعليمها، وبالأجيال التي تمتلك المعرفة والقدرة على التفكير وصناعة التغيير.
ما حدث اليوم هو انتصار لحق أساسي من حقوق الإنسان، وانتصار لفكرة أن أبناء السودان، أينما كانوا، يستحقون الفرصة نفسها في التعلم والحياة الكريمة. وإذا كان هناك درس يجب أن نتعلمه من هذه اللحظة، فهو أن العدالة تبدأ من المدرسة، وأن مستقبل السودان لن يُصنع في ميادين الحرب، بل في الفصول الدراسية وقاعات الامتحانات.
فبالعلم وحده ترتقي الأمم، وبالمعرفة تُهزم آثارالتهميش، وتُفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال القادمة.




