
عماد جدو
ما يجري اليوم من فضائح سياسية وأخلاقية لم يعد استثناءً عابراً، بل تحوّل إلى سلوكٍ ملازم لكثيرين ممن يُطلق عليهم ـ زوراً ـ “رموز المجتمع”. وهي رمزية مفروضة لا مستحقة، أُلبست لأشخاص هم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن القيم والمعايير التي تُنتج الرموز الحقيقية.
وعندما ننظر إلى الواقع السوداني، تتكشف مفارقة صادمة: ما نراه في فضيحة جيفري إبستين، بكل ما تحمله من انحطاط أخلاقي واستغلال بشع، يبدو أقل فظاعة مقارنةً بما يمارسه “إبستينات السودان”. فإبستين، في نهاية المطاف، قُبض عليه وأُودع السجن، وانهارت شبكته تحت ضغط القانون والرأي العام. أما في السودان، فإن نظراءه لا يزالون طلقاء، يمارسون غيّهم وفسادهم بلا مساءلة، بل تحت الحماية والرعاية الرسمية.
إبستين مارس طقوسه الإجرامية في الخفاء، داخل جزيرة نائية بعيدة عن الأعين، محاطاً بأخوية مغلقة من أصحاب النفوذ والمال. أما “إبستينات السودان” فقد تجاوزوا ذلك كله؛ يمارسون طقوسهم في العلن، يقطعون الرؤوس، ويحتفون بالقتل، وسط جمهور من المعجبين والمصفقين، وبالزي الرسمي للقوات النظامية، وبأوامر مباشرة من القيادات العليا، تنتقل من القيادة إلى الضباط، ومن الضباط إلى الجنود.
الدهشة التي أحدثتها فضيحة إبستين عالمياً جاءت من حجم الأسماء التي ارتبطت بجزيرته: سياسيون، قادة دول، رجال أعمال، أصحاب رؤوس أموال، فنانون، وأكاديميون. لكن المفارقة أن “إبستينات السودان” تجاوزوا تلك الشبكة العالمية جرأةً ووقاحة، إذ لا يكتفون بارتكاب الجرائم، بل يدافعون عنها علناً عبر وسائل الإعلام المرئية، والمنابر، والقنوات الفضائية، بلا خجل ولا خوف.
هذه الأخوية السودانية، الممثلة في الجيش ومليشياته المتعددة ـ من القوات المشتركة، إلى البراؤون، والدفاع الشعبي، والدراعون، وأجهزة الأمن ـ لا تعمل بمعزل عن غطاء سياسي واسع. غطاء جمع بين اليمين المتطرف وبعض قوى اليسار، والتقى عنده ساسة يفترض أنهم على خصومة فكرية، لكنهم اتفقوا على أمر واحد: حماية الامتيازات، ولو على حساب الوطن والإنسان.
ومن هولاي ألسياسيون إلى غيرها من الكيانات، اجتمعت هذه القوى داخل أخوية واحدة، تحرس مصالحها بالسلاح والإعلام، وتستقوي بتدخل خارجي واضح، هدفه الأساسي الحفاظ على مصالح دول بعينها في السودان، لا حماية شعبه ولا مستقبله. وهنا تتكشّف حقيقة الصراع: ليس صراعاً من أجل الدولة، بل معركة على الغنائم، تُدار بدماء الأبرياء.
الخطير في المشهد السوداني أن الجريمة لم تعد تُرتكب في الظل، بل صارت تُقدَّم كفعل مشروع، وتُسوَّق كـ”واجب وطني”، ويُحتفى بمرتكبيها بوصفهم أبطالاً. وهذه هي المرحلة الأخطر في انحدار أي مجتمع: حين تختلط الجريمة بالفضيلة، ويصبح القاتل رمزاً، والضحية مجرد رقم.
إن المقارنة بين إبستين السودان وإبستين الأميركي ليست للمبالغة، بل لكشف الفارق بين دولة، رغم عللها، لا تزال قادرة على محاسبة مجرميها، وواقعٍ سوداني تُدار فيه الدولة بعقلية الأخويات المغلقة، حيث لا قانون، ولا مساءلة، ولا خجل.
ما لم يُكسر هذا النمط، وما لم تُفكك هذه الأخويات المسلحة والسياسية، سيظل السودان أسير “إبستيناته” المحليين، وستظل الفضيحة فيه ليست نهاية لمسار، بل شرطاً للاستمرار في السلطة.




