بين الدبلوماسية والمدافع.. واشنطن تراهن على آخر أوراقها في السودان

د. خالد تارس
تبدو الخارجية الأميركية اليوم وكأنها تمسك بآخر خيوط الأمل في مشهد سوداني يزداد تشظّياً يوماً بعد يوم. فبينما تتراجع الأصوات الداعية للسلام تحت وقع المدافع، تحاول إدارة الرئيس ترامب، بهدوءٍ مدروس، وعبر الآلية الرباعية أن تعيد ترتيب أوراق اللعبة من جديد، لعلها تنتزع من ركام الحرب بارقة تذكّر السودانيين بأن الدبلوماسية ما زالت قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
مراسلة قناة الشرق، رنا أبتر، كشفت في تغريدة على اكس عن اجتماعاتٍ مكوكية يعقدها ممثلو الجيش وقوات الدعم السريع كلٌّ على حده مع مسؤولين في الخارجية الأميركية ومبعوثيين دوليين كبار. هذه اللقاءات ليست مجرد جلسات دبلوماسية عابرة، هي اختبار حقيقي لمدى استعداد الأطراف لقبول فكرة (النهاية) بعد عامين ونصف من حربٍ أحرقت البلاد وأرهقت الإقليم.
واشنطن تدرك أن الوقت لا يعمل لصالح أحد من الأطراف. فكل يومٍ يمرّ يزيد من تفكك الدولة، ويضاعف من نفوذ القوى الإقليمية المتربصة، ويفتح الباب أمام روسيا وايران لتوسيع حضورها عبر (وكلائها). ولهذا، تأتي التحركات الأميركية ضمن رؤيةٍ أوسع من مجرد وقفٍ لإطلاق النار؛ إنها محاولة جاده لاستعادة المبادرة في منطقة فقدت فيها واشنطن كثيراً من وزنها السياسي لصالح لاعبين آخرين.
المستشار في الخارجية الأميركية، مسعد بوليسي، كان قد تحرك سابقاً عبر (الآلية الرباعية) التي تضم السعودية والإمارات ومصر والولايات المتحدة، محاولاً كسر الجمود الذي يطوّق الملف السوداني طوال فترة الحرب، لكنّ هذا المسار ظلّ محكوماً بعقبات داخلية وخارجية معقدة. فالمباحثات في جدة والمنامة وجنيف كشفت عن حجم التحدي وعمق الانقسام، وعن ضيق أفق الأطراف التي ما زالت ترى في التسوية نوعاً من الهزيمة لا مخرجاً وطنياً.
جيش البرهان، متهم أصلاً بخضوعه لتوجهات أيديولوجية تُقيد قراراته السياسية نسبةً لوجود إسلاميين في القيادة، لذلك تنصل أكثر من مرة عن التزاماتٍ وقّع عليها، سواء في إعلان جدة أو في اتفاق المنامة التي وقعها نائب القائد العام شمس الدين كباشي. ومع كل إخفاق، كانت الثقة الدولية تتآكل، وتتعزز قناعة المجتمع الدولي بأن الأزمة السودانية ليست مجرد صراعٍ على السلطة، بل معركة (هوية) تتصارع فيها الولاءات والانتماءات والمصالح المتشابكة.!
رفض وفد الجيش حضور المشاورات الأخيرة في سويسرا كان بمثابة رسالة سياسية واضحة، فحواها لا نية بعدُ للسلام، ولا استعداد للتنازل. لكنّ ما قد لا يدركه (زعماء الحرب) هو أن تجاهل التحركات الأميركية سيكون مُكلفاً، لأن المزاج الدولي بدأ يتغير تماما، والرهان على طول أمد الصراع لم يعد مضموناً في ظلّ انتهاكات وضغط إنساني واقتصادي متزايد.!
الفرصة الأخيرة التي تلوّح بها الخارجية الأميركية اليوم ليست مبادرة جديدة، هي آخر محاولة لإعادة السودان إلى طاولة التاريخ بدل أن يظل عالقاً في هامش (الجغرافيا) . فإمّا أن يلتقط الفرقاء هذه اللحظة النادرة قبل أن تزول، أو يستعدوا لمرحلةٍ أكثر قسوة، حيث لن يكون لأحدٍ مكان في معادلة ما بعد الخراب.
من المؤسف أن يبدو السودان للمرة الأولى، بلا صوتٍ واعي يعبّر عن مصالحه العليا. فبينما ينشغل الداخل بتصفية حسابات سياسية ضيقة، تمسك المراكز الأجنبية بخيوط المستقبل. وربما تكون واشنطن، رغم حساباتها الخاصة، آخر من يحاول أن يُذكّر الجميع بأن الأوطان لا تُدار بالبندقية، بل بالعقل والجامع. فإن فشلت جولات الرباعية لتقاطعات أطرافها، فلن تخسر أميركا بقدر ما سيخسر السودان فرصة نادرة للنجاة من مصير حالك.




