رأي

بعد الفيديو الصادم من الأبيض… السودان أمام لحظة الحقيقة: جيش جديد أم استمرار الكارثة؟

عبد الرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا

 

عبد الرحمن أبو رندة ..  بنسلفانيا

الفيديو الذي خرج من قلب مدينة الأبيض لم يكن مجرد مقطع عابر، ولا صرخة فردية لجندي ضاق به الحال، بل كان لحظة كاشفة لحقيقة ظلت تُدفن لسنوات طويلة تحت ركام الخطاب الرسمي والدعاية العسكرية. أن يقف جندي في الميدان ليقول بوضوح إن وجود الجيش وسط الأحياء السكنية يعرّض حياة المدنيين لخطر داهم، فهذا ليس مجرد رأي شخصي، بل اعتراف عملي بأن المؤسسة العسكرية أصبحت جزءاً من المشكلة، لا جزءاً من الحل.

هذه ليست المرة الأولى التي تتحول فيها المدن السودانية إلى ثكنات مكتظة بالأسلحة والمقاتلين، وليست المرة الأولى التي يجد فيها المدنيون أنفسهم محاصرين بين القوات والمليشيات. لكن الجديد هنا هو أن الصوت جاء من داخل الجيش ذاته، ممن يعيشون المخاطر ويتحملون تبعاتها كل يوم. بهذا المعنى، بدا الفيديو أشبه بصفعة على وجه الوعي الوطني، لأنه كشف ما حاول الكثيرون تجاهله عمداً: أن الجيش، بشكله الحالي، أصبح عبئاً ثقيلاً على الدولة والمجتمع.

تاريخياً، لم يعمل الجيش السوداني كقوة مهنية محايدة بقدر ما عمل كفاعل سياسي يهيمن على السلطة ويقرر مصير البلاد عبر الانقلابات أو عبر التحكم في موازين القوة. انخرط في الاقتصاد، وتغلغل في الإدارة، وفرض رؤيته بالقوة على مجتمع متعدد ومعقد، فتعاظم نفوذه بينما تراجعت الدولة نفسها. وتحوّلت كل مواجهة عسكرية إلى كارثة يدفع ثمنها المواطن الأعزل، لأن المدن، لا الحدود، كانت دائماً هي ساحة القتال.

ومن المؤسف أن تكون حياة المدنيين هي الخط الذي يستند عليه الجيش في حماية نفسه، بدلاً من أن يكونوا هم من يحتمي به. وفي كل مرة يندلع فيها القتال، يتكرر المشهد ذاته: أحياء مكتظة تتحول إلى جبهات، ومستشفيات تتضرر، وأسواق تتوقف، وناس يُتركون بين الرعب والفوضى. وهذا وحده كافٍ ليؤكد أن الجيش الحالي، ببنيته وفلسفته وأسلوب عمله، غير قادر على أن يكون مؤسسة وطنية تؤدي وظيفتها الأساسية.

السودان اليوم أمام مفترق طرق واضح لا يحتمل المجاملة. إما الاستمرار في جيشٍ تغلغلت داخله السياسة والامتيازات والفوضى، وإما التوجه نحو تأسيس جيش جديد بالكامل، يُبنى على قواعد مهنية حديثة وعقيدة واحدة واضحة، جيشٌ للبلد لا للنظام، وللمواطن لا للحكم، ولحماية الأرض لا للتحصن وسط المدن. جيش لا يعيد إنتاج الكارثة، بل يفتح باب المستقبل.

إن اللحظة التي فجّرها فيديو الأبيض ليست مجرد ضجة إعلامية، بل نقطة تحول كان لا بد أن تأتي. فالسودان، وهو يغرق في دوامة العنف والصراع، لن ينهض دون إعادة تشكيل كاملة للقوات المسلحة. جيشٌ جديد وحده يمكن أن يضمن الأمن، ويحفظ المدنية، ويضمن انتقال البلاد نحو حكم مستقر وعادل.

أما الإبقاء على الوضع الحالي فليس سوى وصفة جاهزة لاستمرار الكارثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!