رأي

مليون سلام يا أشاوش

 

علي سانتينو

لدارفور ألف صرخة تحت الركام. الإقليم الذي حرقه العنصرية وأنهكته البنادق، وتاجرت باسمه حركات لم تعرف يوماً معنى النضال إلا حين يعود بالذهب والسلطة. من بين هؤلاء يخرج اليوم أركو مناوي، بوجهٍ مرهق من كثرة الأقنعة والكدمولات، يغرد بتحذيرات جوفاء، ويمنح نفسه حقّ الوصاية على وطنٍ لم يعد يصدّق أكاذيبه!
قبل أيام، كتب اركو تغريدة فارغة على منصة إكس، يحذّر فيها حكومة جنوب السودان من سقوط الفاشر، حيث قائلاً: إذا سقطت الفاشر، سيسقط الجنوب!
جملة تختصر ضياع البوصلة وانهيار المنطق السياسي عند رجلٍ يعيش وهم الزعامة والقيادة. فالجنوب دولة ذات سيادة، لا تعيش في جيب حاكم دارفور المزعوم. أي غرورٍ هذا الذي يجعل اركو مناوي يظن أن مصير الأمم يتوقف على مدينة تتهاوى بين نيران حربٍ هو أحد صانعيها؟ أي عقلٍ يربط سقوط الفاشر بمصير جوبا، سوى إنه عقلٍ مأزوم يفقد صلته بالواقع المعاش!
ولأن الواقع لا ينتظر الأوهام ولا خداع الذات، فقد سقطت الفاشر بالفعل تحت ضربات الاشاوس، وتحت سيوفهم الباتره، ولم يسقط الجنوب. حيث تبقى الحقيقة شاخصه ان الذي سقط هو القناع الأخير عن وجه مناوي، وتهاوت معه كل شعارات حركة التحرير التي طالما باعها للناس وهو يغزل تحالفاته في الظلام مع نفس الجلادين الذين أحرقوا دارفور وشردوا أهلها وجعلهم اذلاء بين الشعوب.
لقد صار الرجل صورة مشوهة لمناضلٍ سابق، تاه بين أطماع العسكر وتوجيهات الإسلامويين واراذل بورتسودان. قاتل بالأمس ضدهم باسم المظلومية، ثم عاد اليوم ليقف في صفهم باسم الكرامة. أي سقوطٍ أفدح من هذا يا اركو مناوي؟
بعد سقوط الفاشر نهائياً، حاول مناوي أن يلمّ شتات صورته المتسخه بتغريدة باهتة يقول فيها إن سقوطها لا يعني التفريط في مستقبل دارفور، متسائلًا عن مصير النازحين الذين لم يسأل عنهم طوال حرب 15 أبريل. أي نفاقٍ هذا، أين كانت إنسانيته حين كانت قواته جزءًا من آلة الخراب والتشريد؟ وأين كان صوته حين كانت القرى تُحرق ويُهجّر الأبرياء باسم المعارك وحماية الدين؟ إن بكاءه اليوم على النازحين ليس سوى دموع تماسيحٍ سياسية، يحاول بها غسل تاريخه الملطخ بالتآمر والصفقات!

إن الحركات المسلحة التي تقاتل اليوم جنباً إلى جنب مع الإسلامويين القتله وجيشهم الإرهابي لا تختلف عن النظام الذي كانت تدّعي محاربه. الفارق الوحيد هو أن الجلاد القديم كان يرتدي الزي الرسمي، أما الجلاد الجديد فيرتدي بزّة المتمرّد. كلاهما ينهب، ويقتل، ويغتصب، ويبرّر جريمته بخطاب الكرامة الوطنية.
الذي يجب أن يدركة الجاهل اركو مناوي ان دارفور ليست ملعباً لتجار السلاح والسياسة، وليست ورقة مساومة في يد مغامرين يبدّلون ولاءاتهم كما يبدّلون مواقفهم وبياناتهم الصحفية.
لقد انتهى زمن الشعارات المزيفة والمظلومية الكذوب. وآن لدارفور أن تقول كلمتها بصوتٍ عالٍ، من قاتل إلى جانب الجلادين لا مكان له بين الضحايا، ومن باع دماء أهله لا يحق له أن يتحدث عن مستقبل دارفور، جفت الأقلام ورفعت الصحف!
أركو مناوي لم يسقط سياسياَ فحسب، بل سقط أخلاقياً وإنسانياً أيضاً. لم يعد حاكم دارفور المزعوم، إلا عنواناً فارغاً لرجلٍ يعيش على بقايا وهجٍ قديم، يلوّح به كلما شعر أن التاريخ سيطويه طياً إلى حيث يجب أن يكون مع الخونة والمزوّرين.
نعم تحررت الفاشر من دنس الخونه، لكن ما سقط حقاً هو كل الأوهام التي صنعها الطامعون باسم دارفور. ولن ينهض الإقليم من رماد الخيانه إلا حين تُحاكم هذه القيادات الوهمية، التي لبست ثوب الثوريه ثم لفظته في حضن الجلاد، كما يلفظ الأفعى جلده. فالتاريخ لا يرحم المتواطئين، ولا ينسى من باعوا قضاياهم في سوق الدم، وسيعاقب الفجره والمنافقين من ابناء دارفور ولو طال الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!