رأي

فقه الزيف لدى “جيش النظام البائد” لتغطية هزائم الواقع إلي نصرٍ افتراضي في المواقع

مهدي عبدالله حامد

 

مهدي عبدالله حامد 

في ميادين الحروب، ثمة قاعدة تقول إنَّ “الحقيقة هي أولى ضحايا المعارك” بيد أن ما شهده السُّودان منذ الطلقة الأولى في الخامس عشر من أبريل التي أطلقها جيش النظام البائد تجاوز مفهوم التضليل التقليدي للوعي العام، وذلك منذ أن أدرك بأن “الميدان” ليس في صالحه فلجأ إلي إيجاد “فضاء افتراضي كاذب” يحول هزائمه في الواقع إلي نصر زائف في المواقع الإلكترونية بغرض التغذية الوريدية عبر البروباغندا، محاولًا استعادة شرعية تآكلت تحت أقدام المقاتلين في الأرض، فصار البحث عن “نصر معنوي” في الوسائط الرقمية، وهذا هو البديل البائس عن العجز العملياتي في الخنادق.

حقا، إنَّ المتأمل في سلوك غرف التضليل يدرك أنهم أمام استراتيجية “الهروب إلى الأمام” فكلما كانت سقطت حامية أو انهار دفاع، نشط الذباب الإلكتروني لنسج روايات بطولية متخيلة، بمثل ما تُبنى قصور الرمل قبيل المد العالي، فلا ريب أن هذا الإسراف في التدليس لم يكن عفويا، وانما هو سلاح مُمنهج يهدف إلى تزييف الواقع المحلي والإقليمي، وصناعة “تريندات” من الوهم لتغطية سوءات الانكسار العسكري، صدقا، لقد أثبتت الوقائع أن بيانات “الناكر الرسمي” للجيش باتت أوراقا محروقة، خلافا لما تروج له القنوات الإقليمية الداعمة التي تقتات على تدوير الفشل وتغليفه بعباءة الوطنية الزائفة، ولئن كان الميدان هو الحكم والفيصل، فإن الانكفاء على الفضاء السبراني لإدارة المعارك الخاسرة يعكس حالة من الفصام السياسي والعسكري، وكما يقول المثل السوداني: “العريان ما بيستر عريان” فكيف لآلة إعلامية مهترئة أن تستر عورة هزيمة عسكرية نكراء، إلا أن الإصرار على “فقه التزوير” من الصحافة إلى منصات التواصل الاجتماعي جعل من تزييف الحقيقة مهنة لمن لا مهنة له، بما أن الغاية هي الحفاظ على هيبة “المركز” المتداعية ولو عبر الأبواق المأجورة، وعليه، يُحتمل أن المُخططين لهذه الغرف اعتقدوا أن غسيل الهزائم بمساحيق الذباب الإلكتروني سيطيل أمد البقاء، بيد أن شمس الواقع أشد سطوعا من سحب الزيف، وما لبث أن تكشفت الحقائق للرأي العام الدولي الذي ضاق ذرعا بالاحتيال السياسي، فلا غرو أن الحقيقة كالبحر، لا تقبل الجيف مهما طال الزمن.

وحريَّ بنا القول إنَّ التاريخ لا يُكتب بمداد التضليل في المواقع، وانما بالواقع وبدماء الثبات وعرق الميادين، وإبّان هذه اللحظة المفصلية، تظل النصيحة “يا سيف ويا ضيف” وهذا هو الفيصل فالسيف لمن صدق في الميدان، والضيف لمن احترم عقول الشعب. لعل هذه الحرب، برغم مرارتها، تكون الغربال الذي يفصل “الذهب” عن “الخشب” فصناعة الوهم لا تبني دولة، والتفليق الإعلامي لا يحمي عاصمة انهارت دفاعاتها أخلاقيا قبل أن تنهار عسكريا، وريثما تضع الحرب أوزارها، سيبقى هؤلاء المحترفون في الكذب مجرد هوامش في كتاب الخزي، كما لو أنهم لم يتعلموا أن “حبل الكذب قصير” وأن إرادة الشعوب هي القدر الذي لا يُغالب، ليظل الصدق وحده هو المنارة التي تضيء دروب الحاضر والمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!