رأي

السودان: الدولة المفقودة والجيش الذي ابتلع الوطن

ابو عبدالله الراشدي

 

أبو عبدالله الراشدي

عندما تنظر إلى الخرائط، تبدو السودان دولة كبيرة، ممتدة المساحات، غنية بالأنهار والأراضي الزراعية والثروات الطبيعية. لكن النظر إلى ما وراء الخرائط يكشف الحقيقة المرة: السودان لم يولد دولة، بل جهازاً استعمارياً أُعيد تسليمه إلى نخب محلية لم تُهيأ لقيادته، وجيشاً لم يُنشأ لحماية المواطنين، بل لإخضاعهم.

رحل المستعمر، وبقيت الهياكل كما هي. تغيرت الأسماء، لكن بقيت الدولة كما وُلدت: مختلة، غير وطنية، لا ترى مواطنيها كمواطنين أحرار، بل كأرقام ومصادر للسيطرة. الإصلاح هنا لا يكفي؛ ليس الأمر مسألة تصليح نوافذ أو طلاء جدران، بل إعادة رسم الخرائط نفسها، وإعادة بناء الدولة من الصفر.

الدولة السودانية منذ ولادتها لم تُبنَ على عقد اجتماعي، بل على اقتصاد استخراجي، وجهاز إداري مركزي لا يخدم المجتمع المحلي، وجيش يحمي السلطة لا المواطنين. المواطن لم يتعلم حقوقه، والحاكم لم يرى الدولة ملكاً عاماً، بل غنيمة شخصية. هذه هي جذور الأزمة: جهاز الدولة أداة سيطرة، والنخب تراه فرصة للسلطة لا مسؤولية.

المؤسسة العسكرية أصبحت صميم المشكلة. الجيش لم يدمج في الدولة، بل ابتلعها تدريجياً، ليصبح مركز القرار، القوة المطلقة، والحَكَم الذي لا يُسائل نفسه. لم يكن هذا تحولاً مفاجئاً، بل تراكم فراغ مدني طويل، وغياب مشروع وطني يوازن القوة بالقانون، حتى صار الجيش انعكاساً كاملًا للدولة نفسها، وغياب السلطة المدنية جعله المسيطر بلا منازع.

فشل النخب ليس أخلاقياً فقط، بل فلسفياً: العسكري يرى الدولة كثكنة، المدني كوظيفة، وأصحاب الأيديولوجيا كمنصة لمعتقداتهم الخاصة. وهكذا غابت الرؤية الوطنية، ولم تُنشأ دولة كمشروع حياة مشتركة. النتيجة كانت واضحة: دولة بلا مشروع، وجيش يتحكم بالمصائر، وشعب يعيش تحت وطأة نظام لم يُبنى من أجله.

اليوم، السودان بحاجة إلى فعل تأسيسي، لا إلى إصلاح شكلي. يحتاج إلى إعادة بناء الدولة على قواعد العدالة والمواطنة، وجيش يحمي القانون ويخدم المواطنين، ومؤسسات تعمل لصالح الشعب، لا ضدّه. أي محاولة لترميم الدولة القديمة ستظل مجرد طلاء على جدران متهالكة، والجيش سيظل الظل الثقيل الذي يحجب ضوء المستقبل.

وفي النهاية، مأساة السودان تكمن في الدولة نفسها، في الفكرة التي حُكم بها منذ ولادتها، في جهاز لم يُبنى ليكون وطنياً، وفي جيش أصبح مركز القرار. الحل لا يبدأ بالأسماء ولا بالمناصب، بل بإعادة تأسيس السودان كمشروع حياة مشتركة، دولة يعيش فيها الناس كمواطنين، لا كأرقام تحت سلطة آلة السيطرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!