رأي

أثر الخطاب الغربي على الوعي المحلي والتسوية السودانية

مها طبيق

 

مها طبيق

على مدى العقود الماضية ، دخلت إلى السودان موجات متتالية من الخطاب النسوي القادم من الغرب ، مصحوبة بتمويلات ومشاريع دولية . ورغم ما حملته هذه الخطابات من نوايا تبدو حسنة ، فإنها في كثير من الأحيان انفصلت عن الواقع المحلي ، فلم تصل إلى النساء في المناطق الطرفية ، ولا لامست احتياجاتهن الفعلية . وهنا يبرز الفرق بين النسوية المستوردة التي تُبنى على مفاهيم جاهزة ، والنسوية السودانية الأصيلة التي تنبع من الأرض ومن تجربة النساء أنفسهن .

لقد جاءت الخطابات الخارجية بمفاهيم عامة عن المساواة والتحرر وحقوق المرأة ، لكنها تجاهلت الخصوصية الثقافية والاجتماعية للسودان ، بما في ذلك التنوع المناطقي ، والظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة ، والعلاقات القبلية المتشابكة . ونتيجة لذلك ، ظل أثرها محدودًا في المدن الكبرى وبين النخب ، بينما بقيت النساء في القرى والأقاليم بعيدات عن المشاركة والفائدة . لذلك فإن النسوية السودانية تحتاج إلى فكرٍ يتكيّف مع واقعها ، لا إلى نسخٍ الأفكار الغربية التي لا تعرف بيئتها .

إنّ التبعية الفكرية للخطاب الغربي تخلق مشكلات عميقة . فهي تفقد الحركة النسوية أصالتها حين تتحول إلى نسخة مكررة من برامج أجنبية لا تعبّر عن قيم المجتمع . كما أنها تضعف تأثيرها في الأوساط الشعبية ، لأن النساء في الأقاليم والبوادي يشعرن بأن المشروع لا يمثل واقعهن . والأسوأ من ذلك أنّ الأولويات تتشوه ، فبدلًا من التركيز على التعليم والحماية والتمكين الاقتصادي ، تُستبدل القضايا الجوهرية بمشاريع شكلية لا تمسّ حياة النساء اليومية .

ومن هنا تظهر الحاجة الملحّة إلى وعيٍ محلي أصيل . فالنسوية المجتمعية يجب الا تنطلق من نصوص جاهزة ، وإنما من فهمٍ عميق للثقافة والعادات والظروف المعيشية . إنها حركة تسمع النساء ، وتفهم معاناتهن ، ثم تبني الحلول من داخل الواقع نفسه . ففي مناطق النزوح مثلًا ، يبدأ تمكين المرأة من حقها في الحماية والغذاء والتعليم ، قبل الحديث عن المقاعد السياسية أو ورش العمل النظرية رغم أهميتها .

إنّ النسوية المجتمعية تعني الانفتاح الواعي دون الانغلاق على الذات أو رفض المفاهيم العالمية ، بحيث تمثل نوعًا من الانتقائية الواعية . فهي تحتفظ بما يعزز قيم الحرية والعدالة والمساواة ، وتستبعد ما يتناقض مع السياق الاجتماعي والثقافي . بهذا التوازن بين الأصالة والانفتاح ، تصبح النسوية السودانية جسرًا حقيقيًا للتغيير ، بعيدا عن ترديد الشعارات المستوردة .

ولكي يتحقق هذا التحول نحو وعي محلي متجذر ، لا بد من أدوات عملية واضحة . من أهمها : إنشاء برامج تثقيفية محلية تعرّف النساء بحقوقهن ضمن واقعهنّ اليومي، وتطوير إعلام مجتمعي تنويري يربط بين العدالة والتمكين ، ويعزز مشاركة النساء في القرار العام . كما يجب بناء شبكات دعم قاعدية تدير المشاريع بصورة مستقلة عن الممول الخارجي ، مع اعتماد تقييمٍ مستمر للأثر لضمان بقاء المبادرات قريبة من احتياجات النساء في كل منطقة .

ولن تحقق النسوية السودانية أهدافها ما دامت أسيرة للخطابات الغربية . إن قوتها الحقيقية تكمن في وعيها المحلي ، المستمد من تجربة النساء أنفسهن ، ومن فهمٍ عميق لبنية المجتمع والثقافة . حين تنبع الرؤية من الداخل ، تتحول النسوية من مشروعٍ مستورد محدود التأثير إلى قوة مجتمعية قادرة على بناء السودان من جديد — على أسس العدالة والمشاركة والكرامة .

مها الهادي طبيق

28 اكتوبر 2025

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!