
صالح السليمي
يمثل رأس المال البشري في أي دولة المورد الأهم والأكثر تأثيرًا في عملية التنمية المستدامة. فبينما تُقاس ثروات الأمم عادة بما تملكه من موارد طبيعية أو احتياطيات مالية، تبقى الكفاءات البشرية هي العامل الحاسم في تحويل تلك الموارد إلى إنتاج ومعرفة ونمو. من هنا، فإن فهم مفهوم رأس المال البشري، وكيفية تشكّله، يصبح المدخل الأساسي لتقدير حجم الخسائر التي تخلّفها الحروب والنزاعات، وعلى رأسها الحرب المدمّرة التي يعيشها السودان منذ أبريل 2023.
أولًا: مفهوم رأس المال البشري
رأس المال البشري هو مجموع المهارات والمعارف والخبرات والقيم التي يمتلكها الأفراد، والتي تُمكّنهم من الإسهام في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والإداري للدولة. إنه ليس رأس مالًا ماديًا ملموسًا كالمصانع والأراضي والمعدات، بل هو رأس مال معنوي يتجسد في الإنسان نفسه بوصفه أداة الإنتاج ومحرك التطور.
يتكوّن رأس المال البشري من عناصر عدة، أهمها التعليم، والصحة، والتدريب المهني، والقدرة على الابتكار. وكلما ارتفعت مستويات هذه العناصر، زادت القيمة الإنتاجية للفرد، وارتفعت بالتالي كفاءة الاقتصاد الوطني. ولهذا، تُعد الدول التي تستثمر في التعليم النوعي، والرعاية الصحية الشاملة، والبحث العلمي، من أكثر الدول تقدمًا واستقرارًا.
ولا يقتصر رأس المال البشري على الجانب الاقتصادي فقط، بل يتعداه إلى البعد الاجتماعي والثقافي؛ إذ يشكل وعي الإنسان ومعرفته ونظام قيمه جزءًا لا يتجزأ من قوة الدولة. فالمجتمع المتعلم والمستنير هو مجتمع قادر على التكيّف مع التحولات، ومؤهل للمشاركة الواعية في اتخاذ القرار، مما يعزز مناعة الدولة في مواجهة الأزمات.
ثانيًا: كيف يتشكّل رأس المال البشري التراكمي
تكوين رأس المال البشري عملية تراكمية طويلة المدى تبدأ منذ الطفولة ولا تنتهي عند سنّ معينة. فكل مرحلة من حياة الإنسان تساهم في بناء معارفه ومهاراته وقدراته.
تبدأ العملية من التعليم الأساسي الذي يغرس مهارات القراءة والكتابة والتفكير النقدي، ثم تمتد إلى التعليم العالي الذي يزوّد الفرد بالمعرفة التخصصية، وصولًا إلى التدريب العملي والخبرة المكتسبة في سوق العمل. وتتكامل هذه العناصر لتنتج ما يمكن تسميته بـ”القيمة المضافة البشرية”، أي الزيادة المستمرة في كفاءة الفرد وقدرته على الابتكار والإنتاج.
كما تلعب البيئة الاجتماعية والسياسية دورًا جوهريًا في هذا التشكيل. فالمناخ المستقر، والمؤسسات التعليمية الرصينة، والأنظمة الصحية الفاعلة، تشكل معًا البيئة الحاضنة لتراكم رأس المال البشري. في المقابل، فإن انعدام الأمن، وضعف المؤسسات، وانتشار الفساد، تعوق عملية التراكم وتبدد ثمارها.
فالدول التي مرت بتجارب نزاع طويلة، مثل لبنان والعراق وسوريا، خسرت أجيالًا من الكفاءات التي اضطرت للهجرة أو توقفت عن الإنتاج. السودان اليوم يعيش ذات السيناريو، ولكن بأبعاد أكثر خطورة، لأن الحرب الراهنة ليست مجرد صراع على السلطة، بل تدمير شامل لبنية الإنسان السوداني في تعليمه وصحته وأمانه النفسي والاجتماعي.
ثالثًا: نحو فهم اكثر شمولا للآثار المدمّرة لحرب السودان على رأس المال البشري
قبل الخوض في تفاصيل الخسائر، من الضروري إدراك أن رأس المال البشري لا يُقاس بعدد السكان فحسب، بل بجودة ما يمتلكونه من مهارات ومعارف. فحين تُدمَّر المدارس، وتُهاجر العقول، ويُقتل الأطباء والمعلمون، وحين تتحول الجامعات إلى أطلال، فإن ما يُدمَّر في الحقيقة ليس مجرد بنية تحتية، بل “ثروة المستقبل” نفسها.
الحرب في السودان لم تدمّر الاقتصاد فحسب، بل استهدفت الإنسان بوصفه جوهر هذا الاقتصاد. الملايين من الأطفال خارج المدارس، والآلاف من الكوادر الأكاديمية والطبية في المنافي، ونصف السكان تقريبًا يعيشون في حالة نزوح أو فقدان للأمن الغذائي. هذه ليست أرقامًا عابرة، بل إشارات إلى انهيار المنظومة التي تنتج رأس المال البشري وتجدده.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن إعادة الإعمار أو التنمية الاقتصادية أمرًا سابقًا لأوانه ما لم يُعاد بناء الإنسان السوداني نفسه، باعتباره المحور الذي تدور حوله كل عمليات النهوض الوطني. فالحرب التي تحرق المدارس والمستشفيات، وتبدد طاقة الشباب في المعارك، إنما تهدم الأساس الذي يُبنى عليه المستقبل.
الحلقة الثانية من هذا المقال سنتناول بالتفصيل الانعكاسات الفعلية للحرب على التعليم، والصحة، والمهارات الإنتاجية في السودان، مع محاولة تقدير حجم الفاقد في رأس المال البشري، وكيف يمكن إعادة ترميمه في مرحلة ما بعد الحرب.
يتبع…




