لا استقرار إلا بتفكيك الهيمنة الإسلامية .. التحوّل الدولي تجاه الإسلاميين في السودان
تقرير - التنوير: سوما المغربي

في خطوة استثنائية تشير إلى تغيير جذري في المسار الدولي تجاه الأزمة السودانية، أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان، مسعد بولس، أن وجود الجماعات الإسلامية المتطرفة — وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين — أصبح «خطاً أحمر» أمام الولايات المتحدة والدول المشاركة في الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، مصر). هذا التصريح ليس مجرد كلام دبلوماسي، بل إشارة قوية بأن ملف السودان لم يعد يُقرأ فقط كقصة انتقال سياسي أو أزمة إنسانية، بل كمسرحٍ لمعركة استراتيجية في سياق مكافحة الإرهاب والتطرف.

تقارير: الآلاف من مقاتلي هذا التيار التحقوا بالجيش أو دعموا العمليات العسكرية، ما يعكس الواقع العميق لارتباط الإسلاميين بالحلقة العسكرية
في سياق هذه الرؤية، طرحت الرباعية الدولية خارطة طريق لإنهاء النزاع السوداني، وأكدت صراحة أن «لا مكان لأي دور للإخوان أو الجماعات المتطرفة في السودان» كشرط مسبق لأي انتقال مدني. هذا الشرط يكشف بوضوح أن الرؤية الأميركية والإقليمية تجاه السودان لم تعد تقبل استمرار نفوذ هذا التيار داخل مؤسسات الدولة أو الخارجة منها.
الإسلاميون والعقيدة العسكرية: تحالف ممتد
لقد استطاع التيار الإسلامي، منذ انقلاب 1989، أن يغرز جذوره في قلب المؤسسة العسكرية السودانية، من خلال شبكة نفوذ في الأجهزة الأمنية والإدارية. تشير تقارير إلى أن آلاف من مقاتلي هذا التيار التحقوا بالجيش أو دعموا العمليات العسكرية، ما يعكس الواقع العميق لارتباط الإسلاميين بالحلقة العسكرية.
ما يظهر اليوم هو أن جزءاً من التحرك الدولي يستهدف تفكيك هذا الربط العضوي — ليس فقط في الحملات الشعبوية أو التصريحات، وإنما في إعادة تشكيل البُنى الأمنية والعسكرية التي شكلت قاعدة لقوة الإسلاميين. ففي تقريرٍ حديث، أشار إلى أن بعض الضباط الإسلاميين وصلوا إلى أدوار قيادية، وأن المشكلة ليست فقط حضور الإسلاميين كجماعة، بل هي حضورهم كشبكة نفوذ داخل الجهاز الأمني والعسكري والدولة.
عائق السلام… حين يتحوّل الإسلاميون إلى معرقلين
منذ بدايات الأزمة الراهنة، ظهرت دلائل على أن الجماعات الإسلامية تنظر إلى استمرار الصراع كفرصة لإعادة التموضع. فحسب تحليل منشور، الإسلاميون يستفيدون من الحرب كأداة لإعادة إنتاج دورهم السياسي، عبر دعمهم للجيش أو المليشيات المسلحة، وفي بعض الحالات لتقويض الانتقال المدني.
هذا الأمر يضع السلام في السودان أمام أبرز عقبة: ليس فقط وقف النار، بل تفكيك بنى النفوذ التي أفلحت في إدماج نفسها في أذرع الدولة والعسكر. ولهذا فإن التصريح الأميركي القائل بأن «الإسلاميين خط أحمر» يحمل دلالة هامة: لأن السلام لا يُبنَى في غياب إعادة هيكلة حقيقية للمؤسسات.
الإسلاميين تلقّوا دعماً من دول مثل تركيا وإيران، وفق تحليلات تربطهم بنقل أسلحة وتدريب وتجنيد. هذا يعني أن تفكيك الهيمنة الإسلامية في السودان لا يُشكّل مسألة داخلية فحسب، بل خياراً استراتيجياً
الملف العربي والإقليمي في التجاذب السوداني
لا يمكن فهم هذا التحول الدولي دون النظر إلى الدور الإقليمي. فجهود مصر والسعودية والإمارات في السودان ترى أن استمرار نفوذ الإسلاميين يمثّل تهديداً لاستقرار المنطقة وضربة لاستراتيجياتها. وقد أصبحت الخرطوم نقطة تقاطع للمصالح الكبرى، ما دفع واشنطن إلى اعتبار الملف السوداني جزءاً من معركتها الأوسع ضد الإرهاب.
على الأرض، يظهر أن الإسلاميين تلقّوا دعماً أو مسارات تعاون مع دول مثل تركيا وإيران، وفق تحليلات تربطهم بنقل أسلحة وتدريب وتجنيد. هذا يعني أن تفكيك الهيمنة الإسلامية في السودان لا يُشكّل مسألة داخلية فحسب، بل خياراً استراتيجياً ليس فقط للسودان، بل للمنطقة برمتها.
خارطة طريق نحو الاستقرار
في ضوء هذا الواقع، تستخلص عدة محاور أساسية لانتقال سوداني نحو الاستقرار الحقيقي: يجب تفكيك الشبكات العسكرية‑الأيديولوجية التي بنتها الحركة الإسلامية داخل القوات المسلحة والأمن. فالاستمرار في وجود هذه البنى يضمن استمرارية الصراع. لا يكفي مجرد وقف لإطلاق النار، بل ضرورة تنفيذ انتقال سياسي حقيقي يكون فيه المدنيون شركاء فعليين في السلطة، وليس مجرد واجهة.
دعم دولي وإقليمي مشروط: أي تسوية لا تستبعد دور الإسلاميين كمكوّن مهيمن — أو حتى مجرد عامل فاعل — لن تكون مستدامة. إعادة بناء دولة المواطنة: حيث تُعاد هيكلة المؤسسات لتكون جامعة لكل أبناء السودان دون ولاء عقائدي، ومؤسسات تُدار بالكفاءة والشفافية لا بالولاء. السلام ليس ترفاً بل ضرورة دولية: فالدمار في السودان والتهديدات الأمنية والإنسانية امتدت لتصبح عبئاً إقليمياً ودولياً، لذا أصبح المجتمع الدولي أكثر إدراكاً بأن الاستقرار السوداني يصب في صلب مصالحه.
السلام في السودان لن يُصنع بالأمنيات أو البيانات وحدها، بل بإرادة فعلية لتفكيك هيمنة سياسية وأيديولوجية كانت تمارس نهب السلطة باسم الدين والوطن..
السلام بين الهيمنة والمساءلة
لقد عبّر مسعد بولس بوضوح عندما قال إن الإسلاميين في السودان “خطٌّ أحمر”. هذا ليس مجرد كلام بل إعلان تحول استراتيجي: لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى السودان كمجرد قضية انتقال سياسي، بل كمحور في مواجهة أطول، مواجهة سيطرة فكرية وعسكرية داخل الدولة السودانية.
إن السلام في السودان لن يُصنع بالأمنيات أو البيانات وحدها، بل بإرادة فعلية لتفكيك هيمنة سياسية وأيديولوجية كانت تمارس نهب السلطة باسم الدين والوطن. إذا شعر النظام الإقليمي والمحلي بخطر هذا التيار، فإن السودان اليوم يواجه استحقاقاً أخلاقياً ووطنياً ودولياً — أن يصنع دولةً لا يُعاد فيها إنتاج نمط السلطة القديم باسم النصرة أو الجهاد، بل تُبنى فيها المؤسسات على قاعدة المواطنة والعدالة والمساواة. مسألة “لا استقرار إلا بتفكيك الهيمنة الإسلامية” ليست شعاراً عابراً، بل خارطة طريق لإنقاذ السودان من دوامة الصراع التي استنزفته عقوداً، وتحرير الشعب من دوائر الاهتزاز السياسي التي أنتجته، وإعادة السودان إلى مسار الدولة المدنية الحقيقية.




