تقارير وتحقيقات

الوثيقة التي فجّرت مدافع الجزيرة أبا: الرسالة الأخيرة من الإمام الهادي إلى عبد الناصر

التنوير تنشر رسالة الامام الهادي المهدي الي جمال عبد الناصر  

 

التنوير تنشر  رسالة الامام الهادي الي جمال عبد الناصر  

 

مذكرة الصدام الأخير: كيف رسمت رسالة الإمام الهادي إلى القاهرة معالم مجزرة 1970؟”

السر المدفون تحت قصف الجزيرة أبا: النص الكامل لمذكرة الإمام الهادي المهدي لرئيس مصر

 

إليكم  نص المذكرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

سيادة الرئيس جمال عبد الناصر

رئيس الجمهورية العربية المتحدة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

إنها كلمات فرضتها علينا مسؤوليتنا التاريخية تجاه وطننا وشعبنا، نكتبها إليكم آملين أن تنال من اهتمامكم ما يستحقه السودان من احترام، وبقدر ما نرجوه له من عز ورفعة في حاضره ومستقبله.

أخطاء الماضي وتجاوزات الحاضر

يا سيادة الرئيس، كان يمكن للعقل والعدل والحكمة أن يجعلوا العلاقة بين بلدينا أفضل بكثير مما هي عليه الآن، استناداً إلى تاريخ الجوار، وعمق أخوة الإسلام، والمصالح المشتركة. فما من عاقل يتمنى هدم هذه الروابط، إلا أن أخطاءً خطيرة وقعت في تاريخنا الحديث وأصابت هذه العلاقات بأضرار بالغة تجاوزت المشاعر إلى إلحاق الضرر بالمصالح الحيوية للسودان.

من التصلّط التركي المصري، إلى الحكم الثنائي (الإنجليزي المصري)، وما تخلل ذلك من قتال طاحن سقط فيه عشرات الآلاف من الشهداء السودانيين (عشرة آلاف شهيد من الأنصار في معركة كرري وحدها)، وسياسات القمع والتعالي التي اتسمت بها تلك الحقبة. ورغم إمكانية تدارك هذه المآسي بعد الاستقلال، إلا أن مبعوثكم السيد صلاح سالم استمر في معاملتنا بروح ذلك الماضي الأليم والحكم الثنائي، مما أعاد توتير العلاقات، وبلغت ذروتها في استفزازات حلايب الحدودية التي كادت أن تشعل حرباً حقيقية بين البلدين.

دعم الديكتاتورية وإجحاف الاتفاقيات

في عام 1958م، عندما ألصق انقلاب عسكري الحياة الدستورية وصادر الحريات، سارعتم بالاعتراف به وتأييده، وهو ما شكّل صدمة للحركة الوطنية. وفي تلك الفترة غير الشرعية، استغللتم الوضع لتعديل اتفاقية مياه النيل بشكل مجحف بحق المزارع السوداني وأرضه، وتشريد الآلاف من أهالي وادي حلفا، وأنتم تعلمون أن ذلك النظام لم يكن مفوضاً من الشعب.

وعندما أطاحت ثورة أكتوبر 1964 الشعبية بالحكم العسكري وأعادت الديمقراطية، توالت المحاولات لإعادة البلاد إلى الديكتاتورية، وأكدت السلطات التنفيذية حينها أن مخابراتكم كانت وراء تلك المحاولات الانقلابية الفاشلة.

الوفاء السوداني مقابل النكران

إن السودان لم يكتفِ بالتغاضي عن هذه الإساءات، بل كان إيجابياً ومسنداً لمصر في أحلك الظروف:

في حرب السويس 1956م: وضعنا إمكاناتنا تحت تصرفكم.

في حرب يونيو 1967م: سارعنا بالوقوف معكم، وقطعنا علاقاتنا بأمريكا وبريطانيا، وأرسلنا جنودنا للجبهة، واستقبلت أرضنا طائراتكم بعد ضرب سلاحكم الجوي، وسخرنا ثروتنا الحيوانية لدعمكم.

مؤتمر القمة العربي بالخرطوم (اللاءات الثلاث): كان السودان هو المحرك الأساسي لإقناع الدول العربية الغنية بتقديم دعم مالي لكم بلغ حتى الآن نحو 400 مليون جنيه إسترليني، كما أنهى السودان في ذات المؤتمر أزمة اليمن الدامية التي استنزفت مصر لسنوات.

“إننا لا نمنّ على مصر بما قدمناه، فهذا ليس من شيم الخلق السوداني، ولكننا نذكره لنوضح المفارقة المحزنة بين ما يقدمه السودان من خير وبر، وما يتلقاه من شر وعقوق.”

 انقلاب مايو ومؤامرة “الوحدة المزيفة”

في 25 مايو 1969م، قادت مجموعة من الضباط الشيوعيين والقوميين العرب انقلاباً عسكرياً صادر الحريات وسجن الشرفاء، ولدينا تأكيدات بأنكم شاركتم في تدبير هذا الانقلاب سلفاً في اجتماع القاهرة مع بابكر عوض الله وعبد الكريم ميرغني. واليوم، يتدفق عونكم الاستخباري والأمني لحماية هذا النظام الطاغي، وتتسارع خطى الحديث بينكم وبينه عن “الوحدة”، وهو الأمر الخطير الذي دفعنا لكتابة هذه المذكرة.

يا سيادة الرئيس، نحن لا نرفض الوحدة كمبدأ، ولكننا نرفضها اليوم للأسباب التالية:

1. غياب الشرعية:الأنظمة العسكرية الديكتاتورية لا تملك تفويضاً شعوباً لإقرار مصير البلاد.

2. تهديد النسيج السوداني: السودان يعج بأجناس وثقافات متعددة، والحديث عن وحدة ذات طابع عربي صريح في هذا التوقيت يثير المكونات غير العربية، وقد تجسد ذلك فعلياً في عودة الجنوبيين لحمل السلاح مهددين الوطن بالتمزق.

3. حل أزمات مصر على حساب السودان: إن مشروعكم للوحدة يهدف لتهجير مليون ونصف المليون مصري (من متضرري مدن القناة وبور سعيد) إلى السودان لحل مشاكل السكن والبطالة والتذمر السياسي لديكم.

4. نهب الموارد والمياه: تعني هذه الوحدة تعديل اتفاقية مياه النيل مجدداً لتأخذ مصر ما تشاء، واحتكار الأسواق السودانية، والاستيلاء على محاصيلنا بأرخص الأسعار (كما فعلت وزارة تجارتكم بشراء قطننا بسعر رخيص لإعادة بيعه بربح أعلى).

5. مصير الوحدات المرتجلة: إن الارتجال في الوحدة يجهضها، وتجربتكم المريرة مع سوريا واليمن خير دليل، حيث تفضل شعوب تلك الدول الانفصال اليوم على الوحدة المشوهة.

 الخاتمة

إنني باسم المعارضة السودانية—والتي تمثل الشعب كله باستثناء فئة قليلة تخلت عن الولاء للوطن—أرفض أي إجراء أو إقرار يخضع السودان لسيطرة غير سيطرة أبنائه تحت أي شعار.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

الجزيرة أبا: 18 شوال 1389هـ / 27 ديسمبر 1969م

المفتقر إليه تعالى

الهادي عبد الرحمن المهدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!