رأي

المرأة وصناعة القرار.. من الهامش إلى قلب التأثير

سهيبة مريش... نيالا البحير

 

سهيبه مريش… نيالا البحير

لم تعد المرأة اليوم مجرد متلقٍ لقرارات تصنعها القوى التقليدية في المجتمع، بل أصبحت رقماً صعباً في معادلة التغيير، وصوتاً مسموعاً في دوائر صنع القرار على المستويات كافة — من الأسرة الصغيرة إلى مؤسسات الدولة الكبرى. فالمرأة، بحسّها الإنساني وقدرتها الفطرية على القيادة، استطاعت أن تكسر الصور النمطية، وتثبت أن الفكر والعطاء لا يُقاسان بالنوع، بل بالكفاءة والإرادة.

منذ فجر التاريخ، كانت المرأة عماد الأسرة وحارسة القيم، فهي التي تنشئ الأجيال، وتغرس فيهم مبادئ المسؤولية والتسامح والاحترام. هذا الدور التربوي العميق لا يقف عند حدود البيت، بل يتسع ليشمل المجتمع بأكمله. إذ إن المرأة التي تربي قادة المستقبل قادرة أيضاً على أن تكون قائدة حكيمة وصانعة قرار رشيد.

وفي عالم السياسة والإدارة، أثبتت المرأة حضورها المميز، حيث أثرت القرارات التي تتخذها بنزعة إنسانية متوازنة تجمع بين الحزم والرحمة. ولعل من أبرز سمات القيادة النسائية أنها لا ترى في المنصب سلطة بقدر ما تراه مسؤولية تجاه الآخرين، فتسعى إلى بناء الجسور لا الجدران، وإلى تعزيز روح المشاركة لا الإقصاء.

أما في الجانب الاقتصادي، فقد أصبحت المرأة قوة إنتاجية لا يمكن تجاهلها. فهي تسهم في دعم اقتصاد الأسرة والمجتمع، وتدخل ميادين العمل بإصرار وكفاءة عالية. كثيرات منهن أسسن مشروعات ناجحة، وأسهمن في الحد من الفقر، وتوفير فرص عمل للآخرين، ما يعكس وعياً متقدماً بدورهن في التنمية المستدامة.

وفي ميدان العمل الطوعي والخدمة المجتمعية، تبرز النساء في الصفوف الأمامية، ينظمن المبادرات، ويقُدن حملات التوعية والإغاثة، ويمددن جسور التضامن الإنساني بين فئات المجتمع. بهذا المعنى، لا تكتفي المرأة بدور المتفرج، بل تصنع الفعل وتوجه مسار الأحداث نحو ما يخدم الصالح العام.

صوت المرأة في دوائر القرار ليس ترفاً ديمقراطياً، بل ضرورة وطنية. فحين تُمنح الفرصة كاملة للمشاركة، تزدهر المجتمعات وتتعزز العدالة الاجتماعية. إن تمكين المرأة من مواقع القيادة لا يعني إقصاء الرجل، بل تحقيق توازن قيمي وإنساني في إدارة الحياة العامة، حيث يكمل كل منهما الآخر في معركة البناء والنهضة.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمع الذي يُقصي المرأة، إنما يُقصي نصف طاقته، ونصف عقله، ونصف قدرته على الإبداع. لذلك، فإن صناعة القرار السليم تبدأ من الإيمان الحقيقي بدور المرأة، لا كشريك تابع، بل كفاعل مؤثر وصوت عاقل في زمن تتعاظم فيه التحديات.

فالمرأة ليست مجرد “نصف المجتمع” كما يُقال، بل هي النصف الذي يصنع النصف الآخر، ويمنحه القدرة على النهوض والمضي قدماً نحو المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!