رأي

أين الكيزان؟ سؤال البرهان الذي تفضحه الوقائع

السفير عادل إبراهيم مصطفي 

 

السفير عادل إبراهيم مصطفي 

تداولت الأسافير خلال الأيام القليلة الماضية مقالًا مطوّلًا نُسب إلى مصادر وُصفت بأنها «واسعة الاطلاع»، ولم نري أي دحض أو نفي لما جاء فيه من قبل سلطة بوتسودان الإنقلابية. يتناول المقال تسريبات تكشف جهوداً إقليمية—تقودها كلٌّ من تركيا وقطر—لرأب الصدع بين تيارات الحركة الإسلامية السودانية، وذلك بناءً على طلب مباشر من قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

وتكمن أهمية ما ورد في هذه التسريبات—بصرف النظر عن درجة دقتها التفصيلية—في السياق السياسي العام الذي تتحرك فيه قيادة الجيش، وهو سياق يتجه بوضوح نحو إعادة لمّ شمل الحركة الإسلامية، وتوحيد تياراتها، وتلميعها إقليميًا ودوليًا، تمهيدًا لإعادة إدماجها في أي تسوية سياسية قادمة. وهو ما يفسّر إصرار القيادة العسكرية على إقصاء القوى المدنية الداعمة لمرامي وأهداف ثورة ديسمبر المجيدة، وعلى إطالة أمد الحرب بوصفها أداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق هذا المنظور.

وعليه، فإن ما ورد في التسريبات المتداولة يعزّز الاستنتاج الذي ظللنا نؤكد عليه مرارًا، ومفاده أن فك الارتباط بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية يظل أمرًا غير ممكن عمليًا ما دام البرهان على رأس قيادة الجيش. فالعلاقة بين الطرفين لا تقوم على تحالف تكتيكي عابر، بل على تشابك بنيوي وتنظيمي عميق، يجعل من قيادة الجيش طرفًا أصيلًا في مشروع الحركة الإسلامية لإعادة إنتاج سلطتها.

ويكتسب هذا الاستنتاج سندًا إضافيًا من إقرارات علنية صدرت عن قيادات محسوبة على التيار الإسلامي نفسه، مثل الشيخ عبد الحي يوسف، الذي أقر بوجود عناصر من «الكيزان» داخل مكتب البرهان. وهو تصريح بالغ الدلالة من الناحيتين القانونية والسياسية، إذ يُعد بمثابة إقرار صادر من داخل المعسكر ذاته، ينفي مزاعم «حياد» القيادة العسكرية أو خلوّها من النفوذ الإسلامي.

والأكثر إيلامًا في هذا المشهد ليس فقط التحالف العضوي بين الجيش والحركة الإسلامية، بل الكذب العلني الذي ظل يمارسه قائد الجيش بلا مواربة، وبـ«قوة عين» غير مسبوقة، حين يقف أمام السودانيين متسائلًا: «أين الكيزان؟ وين هم؟»، ثم يقرّر خلوّ الجيش منهم. فهذا الخطاب المتكرر في المحافل العامة لا يمكن قراءته إلا بوصفه إنكارًا للواقع، ومخالفة صريحة لما تؤكده الوقائع والإقرارات العلنية. بل إن هذا الخطاب يرقى—من زاوية المسؤولية السياسية—إلى مستوى التضليل المتعمّد للرأي العام، لا سيما في ظل ما يترتب عليه من آثار مباشرة على مسار الانتقال السياسي، ومبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، ومتطلبات العدالة الانتقالية.

إن استمرار هذا التشابك بين قيادة الجيش والحركة الإسلامية لا يعرقل فقط فرص الوصول إلى تسوية سياسية عادلة، بل يقوّض كذلك أي مسار جاد لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، ويكرّس منطق الإفلات من العقاب عبر إعادة تدوير الشبكات ذاتها التي ثار الشعب السوداني لإسقاطها.

وعليه، فإن الإشكال الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل في الجدل العقيم حول وجود «الكيزان» داخل المؤسسة العسكرية من عدمه، بل في واقع أكثر خطورة يتمثل في اختطاف الجيش نفسه لصالح مشروع أيديولوجي بعينه. فقيادة عسكرية تُنكر الوقائع، وتُكذّب الإقرارات العلنية، وتُدار من داخل شبكة تنظيمية ذات تاريخ طويل في تقويض الدولة المدنية، لا يمكن أن تكون طرفًا محايدًا في أي عملية انتقال سياسي، ولا ضامنًا لوحدة البلاد أو لاستقرارها.

إن أي تسوية سياسية تتجاوز هذا التشابك البنيوي بين السلاح والأيديولوجيا، أو تتغاضى عنه تحت لافتة «الواقعية السياسية»، لن تكون سوى إعادة إنتاج للأزمة نفسها بوسائل مختلفة. وعليه، فإن استعادة مسار الانتقال الديمقراطي لا تبدأ بطرح الأسئلة الخاطئة، ولا بترديد شعارات الإنكار، بل بالاعتراف الجريء بطبيعة الأزمة، وبضرورة إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية خاضعة للسلطة المدنية، ومفصولة نهائيًا عن أي مشروع سياسي أو أيديولوجي، وفاءً لتضحيات السودانيين، وحمايةً لمستقبل الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!