
عبدالرحمن أبو رندة… بنسلفانيا
في قلب العاصفة السودانية الراهنة، تبرز معركة قد تبدو للوهلة الأولى صراعًا بين قوى سياسية ومسلحة، لكنها في جوهرها أوسع وأعمق من ذلك بكثير: إنها معركة بين نموذجين للدولة، بين مركز خانق ظل يمسك برقاب السودانيين منذ منتصف القرن الماضي، وبين مشروع وطني جديد يسعى إلى إعادة تعريف معنى أن تكون دولة وأن يكون المواطن جزءًا منها.
لقد ظل هذا المركز، المتضخم بامتيازاته والقابض على أدوات القوة، ينتج الأزمات بصورة تكاد تكون منتظمة: انقلاب يعقبه آخر، حرب تلد حربًا، وثروة لا تعرف طريقها إلا إلى جيوب الصفوة، حتى تحولت الدولة نفسها إلى جهاز موروث، لا يتغير إلا في الوجوه بينما تبقى البنية على حالها: هرماً أحادي الشكل، مغلقاً، لا يعترف بالتعدد ولا يسمح بإعادة بناء السلطة من أسفل المجتمع إلى قمته.
في هذا السياق ولدت مشاريع التغيير الجديدة بصور غير مألوفة، أبرزها تحالفات سياسية واجتماعية تبحث عن إعادة تأسيس شاملة للدولة. ليست محاولات لإعادة إنتاج القديم بترقيعات مؤقتة، وليست تسويات تعكس توازنات اللحظة، بل مساعٍ لإحداث نقلة جذرية في بنية السلطة والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أشخاص، ولا بين مناطق، ولا حتى بين تيارات سياسية؛ إنها معركة ضد بنيةٍ مركزية راكمت سلطتها تاريخيًا عبر الاحتكار المنهجي للقرار والثروة. مركزٌ لا يسمح بتعدد الإرادات، ولا يعترف بحق الأقاليم في إدارة شؤونها، ويرى في أي محاولة جديدة لإعادة التوزيع تهديدًا لأركانه.
التجارب السابقة أثبتت أن المشروعات الإصلاحية التي تعاملت مع الدولة القديمة ككيان يمكن ترميمه، انتهت إلى الفشل، لأن الترميم لا يغيّر طبيعة الجدران، بل يسمح لها بأن تبقى قائمة بشكل مختلف قليلًا. أما التغيير الجذري، فهو الذي يعيد إنتاج الفكرة نفسها: من يحتكر القوة؟ من يقرر؟ لمن تُوزع الموارد؟ ومن يملك الحق في رسم مستقبل الدولة؟
إن المشاريع السياسية الجديدة التي ظهرت في السودان خلال السنوات الأخيرة، وإن اختلفت مسمياتها، تتقاطع عند نقطة جوهرية: ضرورة تجاوز مركز السلطة التقليدي، وضرورة تفكيك البنية التي جعلت السودان دولةً تنتمي إلى الماضي أكثر مما تنتمي إلى حاضرها. هذه المشاريع لا تبحث عن مشاركة شكلية، بل عن إعادة كتابة قواعد اللعبة من أساسها، بحيث يكون المواطن لا المركز هو نقطة البداية.
ما يعوق هذا التحول ليس فقط مقاومة القوى التقليدية، بل شبكة كاملة من المصالح تمتد داخل المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية. شبكة تحاول حماية نموذج الدولة القديم بكل ما فيه من تراتبية، لأنها تستمد منه وجودها. ولذلك يصبح أي مشروع جديد عرضة للتشويه، أو الاستهداف، أو نسج الأكاذيب حوله، ليس لأنه خطر على البلاد، بل لأنه خطر على من تعودوا احتكار البلاد.
الطريق نحو دولة عادلة لا يبدأ بتسكين الأزمات، بل بإعادة النظر في السؤال المركزي: هل نريد دولة تتشكل من مركز واحد يقرر للجميع؟ أم دولة تتعدد فيها مراكز القوة، ويملك فيها المواطنون القدرة على بناء حياتهم وإدارتها وفق مصالحهم المحلية والإنسانية؟
إن السودان يقف اليوم على مفترق تاريخي، ولم يعد ممكنًا العودة إلى الوراء. فالدولة القديمة — دولة المركز الواحد ـ لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار، لأنها تقوم على فلسفة تخالف طبيعة المجتمع السوداني المتعدد والمعقد. والمشاريع الجديدة، مهما واجهت من مقاومة، تطرح لأول مرة إمكانية بناء دولة تتسق مع واقع البلاد، لا مع وهمٍ صنعه المركز لنفسه.
لن يكون الطريق سهلًا، لكنه الطريق الوحيد: تفكيك البنية المركزية التي عطلت البلاد لعقود، وبناء نموذج سياسي جديد يفتح الباب أمام تعدد السلطة وتوزيعها، ويمكّن المجتمعات من إدارة شؤونها بعيدًا عن مركز احتكر حتى الهواء.
عندما ينهار المركز، لا تسقط الدولة… بل تبدأ في التشكل من جديد.




