
إيمان التجاني
في عمق الأزمة السودانية الراهنة، يبدو الجيش، الذي يفترض أن يكون حامي السيادة الوطنية، كأداة مرتهنة تنفذ أجندات خارجية لصالح القاهرة، بينما الشعب يتحمل أزمات متلاحقة بلا حل. هذا الواقع لم يبدأ اليوم، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التدخلات المصرية المستمرة منذ الحقبة الخديوية مروراً بالعهد الجمهوري وحتى اليوم.
منذ القرن التاسع عشر، اعتبرت القاهرة السودان منطقة نفوذ استراتيجية لا يمكن التخلي عنها، فكانت تستخدم الجيش والسلطة لضمان مصالحها في النيل والزراعة والمعادن، ولقمع أي محاولات لاستقلال القرار السوداني. ومع الجمهورية، لم تتوقف التدخلات، بل توسعت لتشمل دعم أطراف معينة داخل الجيش، وتوجيه القرارات السياسية والعسكرية، لتصبح المؤسسة العسكرية أداة تنفيذية لمصالح خارجية أكثر منها حامية للشعب.
الدهشة تكمن في أن هذا التورط المصري لم يقتصر على السياسة أو الجيش، بل شمل نهب الموارد الطبيعية والتحكم في الثروات الحيوية للبلاد، بينما يُحرم المواطنون من حق تقرير مصيرهم، ويصبح الجيش مقيداً بالوصاية الخارجية، أي أن أي محاولة لإعادة الاستقرار أو تحقيق السلام تصبح مهددة بالفشل.
كما لعبت القاهرة دوراً واضحاً في صناعة الأزمات الداخلية، من خلال الاستفادة من الانقسامات العرقية والطائفية، ودعم جماعات محلية مستعدة لتنفيذ أجنداتها، ما أدى إلى تعطيل أي جهود حقيقية لبناء مؤسسات الدولة، وتعميم الفوضى والضعف المؤسسي، واستمرار أزمة التنمية.
النتيجة المباشرة أن الجيش السوداني اليوم ليس قوة وطنية مستقلة، بل مخلب لتوجيه المصالح المصرية داخل السودان. كل القرار العسكري والسياسي تحت ضغط خارجي، والعمليات العسكرية تُنفذ أحياناً ضد المدنيين، ويُعطل أي مسار نحو السلام أو التنمية المستدامة، تاركاً المواطنين في مواجهة مأساوية مستمرة.
الحل الجذري يكمن في استعادة القرار الوطني للجيش، وقطع أي وصاية خارجية، وبناء مؤسسة عسكرية حرة تعكس مصالح الشعب قبل مصالح الدول الأجنبية. استعادة سيادة الجيش هي الخطوة الأولى نحو إنهاء الفوضى، وضمان أي تقدم سياسي أو اقتصادي مستقبلي.
والسؤال الأكثر صدمة: هل سيظل الجيش السوداني مجرد أداة للتدخل المصري، أم سيتم تحريره لإعادة السيادة للشعب، وضمان أن يكون القرار العسكري والسياسي في خدمة الوطن وليس في قبضة دولة مجاورة؟
حتى يتحقق ذلك، ستظل كل جهود الإصلاح أو السلام مجرد أحلام بعيدة المنال، طالما أن المؤسسة العسكرية تعمل كمخلب لأجندات خارجية، مع تعطيل كامل للسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية، واستمرار التبعية التي أثقلت كاهل الشعب على مدى عقود.
إن مواجهة هذا الواقع تتطلب وعيًا شعبيًا حقيقيًا، وإرادة سياسية قوية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، خصوصاً الجيش، على أسس استقلالية وسيادة وطنية، وإبعاد أي تأثير خارجي يحد من قدرة السودان على تقرير مستقبله بنفسه.




