رأي

ثورة الشرق وانتصار الوعي البجاوي؛ قراءة في كلمة الزعيم إبراهيم عبدالله (دنيا) قائد قوات تحرير شرق السودان

عباس احمد السخي

 

 عباس أحمد السخي

توطئة: شرق السودان… الجغرافيا التي تُلزم التاريخ بالكلام

لا يمكن الحديث عن مستقبل السودان السياسي أو الاقتصادي دون التوقف طويلًا عند شرق السودان؛ هذا الإقليم الذي يجمع بين الموقع الاستراتيجي الفريد، والثروات الطبيعية المتنوعة، والعمق الحضاري والإنساني الممتد عبر قرون. فشرق السودان يشكّل بوابة البلاد البحرية الوحيدة، ويحتضن أهم الموانئ، ويمتلك موارد واعدة من الذهب والغاز والمعادن، فضلًا عن ثروة بشرية ظلت – paradoxically – من أكثر فئات الشعب تهميشًا وإقصاءً منذ الاستقلال.

في هذا السياق، تكتسب كلمة الزعيم إبراهيم عبدالله (دنيا)، قائد قوات تحرير شرق السودان، أهمية استثنائية؛ ليس فقط لأنها صدرت من قائد محوري، بل لأنها جاءت محمولة على وعي سياسي جديد، يعكس تحوّلًا عميقًا في خطاب الهامش، وانتقاله من موقع ردّ الفعل إلى موقع المبادرة وصناعة المعنى.

همشكوريب: حين يتكلم الهامش بثقة

في منطقة همشكوريب، المعروفة بخلاوي القرآن ودلالاتها الروحية والرمزية، خاطب القائد إبراهيم عبدالله (دنيا) جموعًا غفيرة من قوميات شرق السودان. حيث لم يكن اختيار المكان عابرًا؛ فالجمع بين قدسية المكان ووضوح الرسالة منح الخطاب قوة أخلاقية وسياسية مضاعفة.

لقد بدا الخطاب، في مجمله، إعلانًا صريحًا عن ولادة موقف بجاوي واضح من الحرب والسلام، ومن وحدة السودان، ومن الخطابات العنصرية التي أعادت إنتاج الأزمة الوطنية في صيغ جديدة. وذلك من خلال التالي؛

 

أولًا: شرق السودان خارج معادلة الحرب

أبرز ما ميّز خطاب القائد (دنيا) هو الحسم الواضح تجاه الحرب الدائرة في البلاد منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. فقد أكد، دون مواربة، أن شرق السودان ليس جزءًا من هذه الحرب، ولم يكن سببًا في اندلاعها، ولن يكون وقودًا لها.

هذا الموقف لا يعكس فقط حرصًا على حماية الإقليم من الانزلاق إلى أتون الصراع، بل يكشف أيضًا وعيًا سياسيًا عميقًا بطبيعة هذه الحرب، باعتبارها صراعًا على السلطة والمركز، لا علاقة له بمصالح الشرق ولا بقضايا إنسانه. وهنا يقدّم الخطاب نموذجًا متقدمًا لكيفية تفكيك سرديات التعبئة القسرية الذي يحاول جرّ الأقاليم إلى حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل.

ثانيًا: نعم للسلام… ولا مبرر لاستمرار الحرب

في محور لا يقل أهمية، أعلن الزعيم البجاوي بوضوح أن شرق السودان مع شعار وقف الحرب والمصالحة الوطنية الشاملة، وأنه يقول “نعم للسلام” بلا تردد.

هذا الإعلان يحمل دلالة سياسية كبيرة، خاصة في مناخ تُصوَّر فيه الحرب وكأنها قدر لا فكاك منه، أو “معركة وجود” لا تحتمل النقاش. خطاب (دنيا) كسر هذه الثنائية الزائفة، وأعاد الاعتبار لفكرة السلام بوصفها خيارًا شجاعًا، لا موقفًا ضعيفًا، ومطلبًا أخلاقيًا، لا تنازلًا سياسيًا. كما أن رفض استمرار الحرب “تحت أي مبرر” يضع القوى الداعية لإطالة أمد الصراع أمام مساءلة أخلاقية وتاريخية، ويعيد طرح السؤال الجوهري: من المستفيد الحقيقي من هذا الاستنزاف المفتوح للبلاد؟

ثالثًا: وحدة السودان… ولكن على أسس جديدة

في واحدة من أكثر فقرات الخطاب عمقًا وجرأة، أكد القائد إبراهيم عبدالله (دنيا) أن شرق السودان مع وحدة البلاد، لكن ليس الوحدة الشكلية التي كرّست الهيمنة والإقصاء منذ الاستقلال. إنها وحدة على أسس جديدة، قوامها العدالة، وتقاسم السلطة والثروة، والاعتراف الحقيقي بالتنوع.

وفي هذا السياق، وجّه القائد نقدًا حادًا لنظرية “البحر والنهر” التي تروج لها بعض الجهات، واصفًا إياها بأنها بالعنصرية والمرفوضة، ومؤكدًا أن شرق السودان لن يكون جزءًا منها. هذا الموقف يعبّر عن وعي متقدم بخطورة الخطابات الإثنية الإقصائية، التي لا تهدد فقط وحدة البلاد، بل تمزق نسيجها الاجتماعي.

ولعل العبارة اللافتة في الخطاب كانت قوله: “في حال حدوث انفصال لأي جزء من السودان، فإن شرق السودان سيحافظ على وحدة وسلامة أراضيه بعيدًا عن جماعة النهر العنصرية… بحرنا ومواردنا تكفينا.”

هذه العبارة، رغم حدّتها، لا تُقرأ كدعوة للانفصال، بل كرسالة تحذير للمركز: إن استمرار السياسات العنصرية والإقصائية قد يدفع الأقاليم إلى البحث عن خيارات تحمي وجودها وكرامتها.

رابعًا: ثروات الشرق… وفقر الإنسان

لم يغفل خطاب (دنيا) التوقف عند مفارقة الشرق الكبرى: إقليم غني بالموارد، وفقير في إنسانه. فقد استعرض القائد أهمية موارد الشرق، من الغاز والذهب إلى الموانئ الاستراتيجية والموارد البشرية، متسائلًا – ضمنيًا – عن سبب استمرار معاناة إنسان الشرق في ظل هذا الثراء. هذا الطرح يعيد فتح ملف التهميش البنيوي، ويضع الدولة – بمفهومها التاريخي – أمام مسؤولية نهب الموارد دون تنمية، واستخدام الجغرافيا دون الاستثمار في الإنسان. وهو خطاب يربط بذكاء بين العدالة الاقتصادية والسلام الاجتماعي، ويؤكد أن أي حديث عن استقرار دائم لا بد أن يمر عبر إنصاف الأقاليم.

 

اخيرا : كسر حاجز الخوف… وفرصة للسلام

يمكن القول إن كلمة الزعيم إبراهيم عبدالله (دنيا) تمثل لحظة فارقة في الخطاب السياسي للهامش الشرقي، بل وللسودان عمومًا. فقد رجّحت كفة الداعين للسلام والمصالحة الوطنية الشاملة، في مواجهة الأصوات التي لا ترى في الحرب سوى أداة لتجديد النفوذ واستنزاف البلاد. والأهم من ذلك، أن هذا الحديث كسر حاجز الخوف حول الجهر بمطلب السلام، وفتح الباب أمام القوميات والأقاليم الأخرى لتعلن بوضوح أن مستقبل السودان لا يُبنى بالمدافع، بل بالتوافق والعدالة.

لذلك فإنها فرصة تاريخية؛ إما أن تُلتقط لبناء دولة جديدة على أسس مختلفة، أو تُهدر ليواصل السودان دورانه في حلقة الحرب العبثية. وفي الحالتين، فإن شرق السودان – كما قال قائده – قد حسم موقفه: لا للحرب، نعم للسلام، ووحدةٌ لا تُهين تنوّعها ولا تبتلع أطرافها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!