رأي

الجيش السوداني في الأسر المصري: من سيادة الدولة إلى هندسة النفوذ

أبو عبدالله الراشدي

 

 أبو عبدالله الراشدي

في خضم التحولات العاصفة التي يشهدها السودان، تتكشف معالم أزمة مركبة يتداخل فيها السياسي بالعسكري، والوطني بالإقليمي، لتضع البلاد أمام سؤال جوهري: هل ما زال القرار السيادي السوداني بيد مؤسساته، أم أصبح رهينة لأجندات تتجاوز حدود الوطن؟

إنّ التتبع الدقيق لمسار الأحداث يكشف أن الجيش السوداني، الذي يُفترض أن يكون صمام أمان الدولة، أصبح واقعًا تحت تأثير مباشر من القاهرة، سواء على مستوى الموقف السياسي أو التخطيط الميداني أو حتى في آلية إدارة الصراع الداخلي.

لم يكن هذا الارتهان وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكم طويل من العلاقات غير المتكافئة بين الخرطوم والقاهرة، حيث تعاملت الأخيرة مع السودان بوصفه امتدادًا لمجالها الحيوي، لا دولةً ذات سيادة مكتملة الأركان. ومنذ سنوات، ظلّت السياسة المصرية تبني نفوذها في السودان عبر أدوات ناعمة حينًا وخشنة حينًا آخر، من خلال الدعم العسكري، والتأثير الاستخباري، والتمدد في مفاصل القرار السيادي.

لقد فقد الجيش السوداني، مع تزايد هذا النفوذ، استقلاله المؤسسي، وأصبح سلوكه يعكس إرادة غير سودانية في كثير من الأحيان. فقرارات الحرب والسلم، واتجاهات التحالفات الإقليمية، وحتى الخطاب الإعلامي الرسمي، باتت تُدار ضمن حسابات ترتبط بمصالح القاهرة أكثر مما تعبر عن مصالح الشعب السوداني.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحول الجيوش من حُماة للسيادة إلى أدواتٍ في هندسة النفوذ الخارجي.

إنّ هذا الوضع الشاذ أضعف هيبة الدولة وأفقدها قدرتها على المبادرة. فبدل أن يكون الجيش قوة وطنية جامعة، أصبح جزءًا من التجاذبات الإقليمية، الأمر الذي جعل من السودان ساحة صراع مفتوحة، لا سلاحًا موحدًا لحماية ترابه.

ولعلّ ما يزيد الطين بلّة هو التواطؤ الصامت لبعض النخب السياسية التي رأت في الارتهان للقاهرة ضمانًا لمصالحها الضيقة، فاختارت الصمت، أو التبرير، بينما تتآكل الدولة من الداخل.

الجيش السوداني اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم: إمّا أن يستعيد قراره الوطني، وينأى بنفسه عن التوظيف الإقليمي، أو يواصل السير في طريق التبعية الذي لن يقود إلا إلى مزيد من التفكك والضعف.

فالجيش الذي يخضع لإملاءات الخارج لا يستطيع أن يحمي حدود الوطن، ولا أن يصنع سلامًا دائمًا، لأنه ببساطة فقد البوصلة التي تحدد اتجاه المصلحة الوطنية.

إنّ استعادة القرار السيادي ليست مجرد شعار، بل ضرورة وجودية. فبدونها لا يمكن الحديث عن دولة ذات مؤسسات، ولا عن حكومة تملك قرارها، ولا عن شعبٍ مطمئنٍ إلى مستقبل بلاده.

وعلى النخب الوطنية أن تدرك أن المعركة الحقيقية اليوم ليست في ميادين القتال، بل في استرداد الإرادة المستقلة من بين أنياب النفوذ الخارجي، وإعادة تعريف دور الجيش باعتباره مؤسسة وطنية، لا ذراعًا لأي دولة أخرى مهما بلغت درجة القرب الجغرافي أو التشابك التاريخي.

السودان، الذي علّم القارة معنى الحرية والتعدد، لا يليق به أن يُدار من خارج حدوده. وإذا كانت القاهرة ترى في السودان مجالًا لمصالحها، فعلى الخرطوم أن ترى في سيادتها شرطًا لوجودها.

فما من دولةٍ تبقى قوية إذا فقدت جيشها، ولا جيشٍ يُحترم إذا خضع لغير وطنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!