
هشام محمد شريف
في غياهب التاريخ، حيث تتجلى أسرار الوجود وتتوالى فصول الحكمة، لم يك أول نداء إلهي للبشرية سوى كلمة واحدة، عميقة الدلالة، واسعة الأفق “اقرأ”
اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم” [القرآن الكريم، سورة العلق: 1-5]. هذه الآيات البينات ليست مجرد وصية عابرة، بل هي منهاج حياة، ودستور حضارة، ونبراس يضيء دروب المعرفة والإدراك.
إنها إعلان صريح بأن القراءة ليست فعلاً ترفياً، بل هي الأساس الذي يقوم عليه بناء الإنسان، وعماد كل نهضة فكرية وروحية.
القراءة: مفتاح الوعي في زمن الاضطراب في خضم الأزمات التي تعصف بالأمم، وتحديداً في وطننا السودان الذي يرزح تحت وطأة حرب طاحنة تهدد كيانه ونسيجه الاجتماعي، تبرز أهمية القراءة كضرورة قصوى لا ترفاً فكرياً.
إنها الأداة الفضلى التي تمنح الإنسان القدرة على فهم الواقع المعقد، وتفكيك خيوطه المتشابكة، والتمييز بين الحقائق والأوهام. في زمن تتلاطم فيه أمواج الفتن، وتختلط فيه الأصوات، وتتعدد الروايات، تصبح القراءة هي البوصلة التي تهدي العقول إلى شاطئ اليقين، وتصقل ملكة التحليل النقدي، وتمكن الفرد من بناء رؤيته الخاصة المستنيرة، بعيداً عن الانجراف وراء العواطف أو الانسياق خلف الدعوات المضللة.
خطورة العزوف عن القراءة فريسة لخطابات الكراهية
إن العزوف عن القراءة ليس مجرد إهمال لعادة حميدة، بل هو بوابة واسعة للجهل والسطحية الفكرية.
عندما تهجر الأمة الكتاب، وتغلق أبواب المعرفة، فإنها تصبح فريسة سهلة لكل من يمتلك ناصية الكلمة، وإن كانت كلمة مسمومة.
في بيئة يسودها الجهل، تتغذى خطابات الكراهية والتحريض، وتجد أرضاً خصبة للنمو والانتشار.
يصبح الناس، وهم في غفلة عن عمق التاريخ ودروسه، وعن حقائق الواقع وتحدياته، مجرد أدوات في أيدي من يسعون إلى إشعال نار الفتنة وتعميق جراح الوطن. إن غياب الوعي النقدي، الذي لا يتأتى إلا بالقراءة المتعمقة، يحول الأفراد إلى متلقين سلبيين، يصدقون كل ما يروّج، وينساقون وراء كل دعوة، حتى لو كانت تحمل في طياتها بذور فنائهم.
السوشيال ميديا: سيف ذو حدين في معركة الوعي
لقد أحدثت ثورة الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي تحوًلا جذريًا في طريقة تلقي المعلومات وتداولها.
فبينما كانُ يرجى منها أن تكون منارة للتنوير، وجسرًا للتواصل الحضاري، أضحت في كثير من الاحيان أداة
فعالة لبث الفرقة والكراهية، وتأجيج الصراعات. ففي عالم تتسارع فيه الاخبار، وتتداخل فيه الحقائق
بالاكاذيب، وتتوارى فيه المصادر الموثوقة خلف سيل جارف من المحتوى غير المفلتر، يصبح القارئ المثقف
هو الحصن المنيع. إنه القادر على تمييز الغث من السمين، والدعاية من الحقيقة، والتحريض من النصح. إن
امتلاك أدوات القراءة النقدية يمكنه من فحص المعلومات، والتحقق من مصداقيتها، وعدم الانسياق وراء
العناوين البراقة أو الرسائل المشحونة بالعواطف، التي غالبًاما تكون مصممة لتغذية الانقسام وتعميق
الشقاق.
دعوة إلى الشعب السوداني: القراءة سلاحكم الأقوى
يا اهل لسودان، يا من تحملون في جيناتكم إرث حضارات عريقة، وتاريخًاحافًلا بالعلم والمعرفة، إن وطنكم
اليوم يمر بمنعطف تاريخي حرج. إن الحرب التي تعصف بكم ليست حربًا بالسلاح فحسب، بل هي حرب على
الوعي، حرب على الهوية، حرب على المستقبل. وفي هذه الحرب، فإن سلاحكم القوى، وحصنكم المنيع، هو
القراءة.
اقرأوا لتعرفوا تاريخكم، لتعوا حاضركم، لتستشرفوا مستقبلكم. اقرأوا
لتفهموا جذور الصراع،
لتدركوا أبعاد المؤامرات، لتكتشفوا سبل الخالص. اجعلوا من الكتاب رفيقًا، ومن المعرفة زادًا، ومن الفهم
درعًا يقيكم سهام الجهل والتضليل.
إن القراءة ليست مجرد هواية، بل هي فعل مقاومة، وعمل بناء، وخطوة
نحو استعادة الوعي الجمعي الذي تحاول قوى الظالم طمسه.
نداء إلى المثقفين: التأليف أمانة ومسؤولية
وأنتم أيها المثقفون، يا حملة القلم، يا ورثة الحكمة، إن عليكم اليوم أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة. في
زمن تتهاوى فيه الروايات، وتتشتت فيه الرؤى، فإن الامة السودانية تتطلع إليكم لتكونوا منارات هدى.
إن التأليف في هذه المرحلة ليس مجرد إبداع فردي، بل هو واجب وطني. اكتبوا لتوثقوا آلامكم، ولتحللوا الاسباب،
ولتقدموا رؤى بديلة للخروج من هذا النفق المظلم. ابحثوا في جميع المصادر بحثًاعن الحقيقة المطلقة، لا عن
نصفها أو ربعها. قدموا للاجيال القادمة إرثًافكريًا يحميهم من تكرار الاخطاء، ويزودهم بالادوات اللازمة لبناء
سودان جديد، قائم على العدل والمعرفة والسلم.
إن التأليف هو فعل بناء، يرسخ الوعي، ويشكل الذاكرة
الجمعية، ويقدم خارطة طريق للمستقبل.
القراءة: طريق الخلاص من الأزمة
إن التاريخ يشهد بأن الامم التي نهضت من رماد حروبها، وتجاوزت محنها، لم تفعل ذلك إلا بالعودة إلى منابع
المعرفة، وبالاستثمار في العقول. لقد بدأت رحلات الخلاص دائمًا بالتعليم، بالقراءة، وبالتأليف. فاليابان بعد
دمار الحرب العالمية الثانية، وألمانيا بعد ويلات الانقسام، لم تنهضا إلا بوضع التعليم والقراءة في صدارة
أولوياتهما. إن القراءة تفتح الافاق، وتوسع المدارك، وتغرس قيم التسامح والتعايش، وتنبذ التعصب والكراهية.
إنها تبني جسورًا بين الافراد، وتوحد الرؤى، وتصنع الامل في غد أفضل.
فلنجعل من “اقرأ” ليس مجرد كلمة،
بل منهج حياة، وطريقًا للخلاص، وفجرًاجديدًايشرق على سوداننا الحبيب، يحمل معه بذور السلم والازدهار




